
ولّد هجر منصات التواصل انفعالات شديدة داخله، ليس يسمي فعلته صيامَ دوبامين، لكنها شيء يشبهه، ولها أثر ونتيجة وسبب لا تختلف عنه كثيراً. جرّب صيام الدوبامين مرةً قبل سنة لما سافر إلى جزيرة نائية وتخلى عن أجهزته الإلكترونية، أنقذته تلك التجربة من تبدّد وشرود وضعف نفسي امتدعليه طويلاً، هذا الهجر الطوعي الجديد لمنصات التواصل مستلهم من تجربته القديمة ومدفوع برغبة شديدة لإعادة استدعاء لحظات بهجته وحبوره بنعمة الحياة. روحه مشتتة غائبة، ولو جلس وحيداً بلا إنترنت لعاش معها جحيماً لا يطاق، ولكن إذا كانت مشكلته روحية تتجاوز منصات التواصل فلماذا اكتفى بهجرها؟ لا يعلم، ولكنه متيقن أن منصات التواصل فاقمت الأعراض ونكأت مندمل الجراح، لا أحد يشتكي آثار اليوتيوب وقوقل، وربما لو أخبر مواليد الألفية الثالثة لضحكوا عليه ووصفوه بالمبالغة، كيف يمكن العيش من غير سناب وتويتر وتيك توك وأنستقرام.
يشعر بأن المحيط لم يستقبله كفنان ولم يعترف به كما يستحق. هذا النزاع الدائم بين الفنان ومحيطه والرغبة غير الملباة بتقدير أعماله والاحتفاء بها أطالعليه حالة الشك في جودة وأصالة ما يقدم، حتى هلكت روحه وانشغلت بنفسها وضمر إبداعه وفنه. منصات التواصل أتاحت لمحيطه إعلان انطباعه عن أعماله ومخاطبته مكاشفة، صحيح أنها انطباعات لحظية سريعة الورود والتلاشي إلا أنه يشعر بخيبة مهما كانت حقيقة تلك الانطباعات، لكونها أفقدته صفاءه الروحي، أصل فنه. والحقيقة وراء هجره نقمته على تلك الانطباعات اللحظية، وما يعنيه عددها القليل من كون فنه لا ينتشر ولا يحتفى به كما يجب. تكرار هذه النتيجة مهما قلب تفكيره يزيد نقمته ويكثّفها ويربيها يوما تلو يوم.
بعد أسبوع بدأ يشعر بتحسن، يلاحظ روحه ترمم نفسها داخله، لا تقلب فيالمزاج والعواطف، ولا ارتباك في الأفكار، ولا تحديث متكرر لصفحته الشخصية لعل متابع جديد يظهر ويبارك فنه. نبالغ في وصف لحظات هجرنا وننفعل بها دائرين حول أنفسنا مضخّمين عواطفنا، وتكفينا نظرة واحدة إلى الشخص الواقف أمامنا في المرآة لنعي الدراما التي يعيشها المغرور منغلقاً على نفسه.في اليوم الثامن أصبح ذهنه أكثر صفاءً والقضايا الرئيسة أحضر، والصوت داخله أوضح وأقوى، ليست ثقة زائدة بل قدرة على رؤية ما يريد بوضوح. ارتدّت إليه ذاته، وأصبح يرى حين ينظر، وينصت حين يسمع، ويقول حينيتكلم.
في خلوته تلك طفا سؤال على السطح بإلحاح، لماذا يريد الحصول على إعجابات كثيرة وإعادات نشر لفنه؟ ربما كانت تلك طريقته الوحيدة لمعرفة جودة إنتاجه، لكنه يعلم يقيناً أن ما لم تحتفِ به الناس أجود وأتلد مما احتفوا به. هل الجمال ما أجمعت الناس عليه أم أنه جميل بنفسه ولو استقبحوه؟
قرأ قول ابن المقفع: “على العاقل أن يجعل النَّاس طبقتين مُتباينَتين، ويلبس لهم لباسين مُختلفين، طبقة العامة: يلبس لهم لباس انقباضٍ وانحِجازٍ وتحفّظ في كلِّ كلمة، وطبقة الخاصة: يَخْلع عندهم لباس التشدّد، ويلبس لباس الأنسةِ واللُطف” واقتنع ألا فائدة من إخبار الناس كم يحب ذا الشيء وكم يكره ذاك، لا أحد يفعلها في المجالس الحقيقية بهذه الكثافة، وتويتر أشبه ما يكون بمجلس كبير. ولا فائدة البتة من قراءة أفكار ناقصة لإنسان آخر لا تمتّه به أي صلة حقيقية ولا تعنيه انطباعاته اللحظية وتمتماته التي يحدّث بها نفسه، وتذكر الذي كتب: “ما أراهُ هُرَاء، هذا العالَمُ يضجُ هُرَاءً.” وغيره فئام لا تنتهي من أشباهه وأشياعه ومن هو أحط منه ممن سيحشو رأسه بما لا فائدة ترجى منه.
يريد التوقف عن دوام الالتفات وانتظار استحسانهم والتفتيش عنهم في ذاته. التاريخ لم ولن يحفظ سوى متنبياً واحداً لا ثاني له، وجاحظاً واحداً لا ثاني له، فما كان عزاؤه إلا أن دعا نفسه للتشبه بالتوحيدي وشيخ المعرّة ومن قام مقامهم ممن لم يقدرهم أهل زمانهم حق قدرهم، وماتوا على فاقة وقلة جاه وخمول ذكر وفضل. عاش أيامه يقول بذلك ويعزّي نفسه بمن سبقه، ولم يفطن إلى خطئه إلا الساعة، فكما أنه لن يبلغ مبلغ سَلَفِه، فإنه لا يضمن جودة أعماله ابتداءً كي يموت مطمئن القلب قرير العين بحسن ما ترك وراءه. الكشف أنه لن يبلغ مبلغ هؤلاء ولا أولئك، لا أحد يشبهه، ولن يشبه أحداً ولو تكلّف وتسربل ووصل الليل بالنهار وهجر جميع منصات التواصل، بل من تمام صدقه لنفسه والرفق بها أن يقبل ويعلم أنه سيعيش من أوساط الناس ويموت من أوساطهم، يخوض مع الخائضين، فيلقى نصيبه من الخير لا مهرب منه ويركب نصيبه من الشر لا مهرب منه.
استطاع العودة إلى قراءة الإمتاع والمؤانسة بسبب انقطاعه وانعزاله، وقرأ ليالٍ أعجبته وأخريات لم تعجبه. إلا أنه وصل لنتيجة بعد انقضاء شهر مفادها أن شدة القرب والمبالغة في البعد؛ عَمَيَان. هذا يصدق على البصر فيما يرى، والقلب في تعامله مع الناس. لا ينبغي لك أن تبتعد ابتعاداً لا عودة ترجى بعده، ولا أن تقترب اقتراباً توشك أن تمتزج فيه بنفوسهم، فالقلوب تأبى ذلك بفطرتها ولو طلبته ونشدته.
يجب عليه الاعتراف بأنانيته، وهو أصدق انتقاد واجهه، رغم أن الفنان لا ملامة عليه ولا ملجأ له من الأنانية، فهي سر الإبداع ولولا اعتداد المرء بنفسه ورغبته في التعبير عنها، عن عواطفها وآمالها وأحزانها وأفكارها وسائر أغراضها ما كتب كاتب ولا نظم شاعر ولا رسم رسام ولا نحت نحات، ولا يفرق بين فنان وفنان إلا ذلك، ومع أن الأوائل لم يعرفوا لفظة الأنانية بهذا المعنى إلا أنهم متفقون على وجوب غرق المرء في ذاته قبل والانطلاق منها لفنه. لكن طبيعة منصات التواصل أزّت الناس إلى الحديث بصيغة المتكلم والإكثار من ذلك.وليس إلا من بني عصره، فهل هو أناني كما يتهم؟ إنه أناني بالقدر الذي تستدعيه الضرورة وتستوجبه الفطرة، يحق له أن يحب ويكره ويفعل ويدع ويرغب ويرهب، لكونه إنساناً لا روبوتاً، وخطؤه أنه أظهر ذلك بدل أن يلزم الصمت ويركز على عمله القادم. بهذه الفكرة شعر أن انقطاعه أتى بثماره فعاد للمنصات من جديد، جاهلاً أن انقطاعاً أطول وأعرم ينتظره عما قريب.