مذكرات الرحلة الأوروبية السابعة

(١)

بدأت هذه الرحلة بذهابي إلى المطار بسيارتي بدل أوبر، ومن يعرفني عن قرب يعلم أن بوسعي الآن تأمين موقف مجاني لسيارتي هناك وهذا من فضل الله علي، وأكبر فائدة من ذلك تكون وقت سفري كون اصطحاب سيارة يمنحك خيارات متعددة للوصول والمغادرة كما ترغب وتشاء متجاوزاً إزعاج الكدادين أو انتظار أوبر. المضحك أنني منحت الموقف لأخي -الذي سبقني مسافراً- ليستفيد منه وهذا ممكن، لكنني تفاجأت برفض بوابة المواقف دخول سيارتي للصالات الدولية لأن الموقف المحجوز باسمي مستغل بالفعل، ولم أكن أعلم أنه لا يحق لي سوى إيقاف سيارة واحدة، وبذلك استفدت لأول مرة من عادة التبكير إلى المطار، وتدبرت أمر السيارة بطريقة ما بعد أن عدت بها إلى المدينة في نهاية المطاف.

إن لم تخني الذاكرة ومعرفتي الجغرافية المتواضعة، فهذه رحلتي السابعة إلى قارة أوروبا. أولى الرحلات كانت أيام الجامعة إلى إيطاليا والدنمارك، ثم بريطانيا ولندن تحديداً، ثم المجر والنمسا والتشيك، ثم أسبانيا ومنطقة الأندلس، ثم اليونان الإغريقية، ثم البرتغال وبرشلونة، ثم رحلتي هذه إلى هولندا وريفها وبلجيكا وفرنسا. ويبقى لافتاً ترك ألمانيا وسويسرا هكذا مهملة من غير زيارة حتى الآن.

استغربت وقوف عناصر من الشرطة في جسر الطائرة بعد وصولها للتأكد من جوازات المسافرين قبل دخولهم المطار. ربما كان إجراءً استباقياً لرد من سافر سهواً من غير تأشيره. مررت بسلاسة ثم وقفت مع الناس أمام نافذة الجمارك وأجبت عن الأسئلة الاعتيادية: أسافر للسياحة مع أخي وصديق سألتقي بهم في المدينة، سأبقى ثلاثة أيام في أمستردام ثم أغادرها إلى بلجيكا. فأشارت لي بالدخول المرأة التي بدت راضية عن كلامي، وبذلك مشيت إلى أراضي الاتحاد الأوروبي بهدوء من غير جلبة أو ريبة، رغم أني نسيت ذكر بقائي في الريف الهولندي عدة أيام، وهذا لا يهمهم كما يبدو. خرجت من مطار أمستردام -المختلف والفريد عن كل مطار رأيته- وركبت مع سائق أوبر عربي مغربي، واستغربت من التزامه الصمت على غير عادة، كثير من سائقي أوبر العرب يثرثرون من اللحظة التي يرونك فيها للأسف، وهذا ليس سيئاً بل من دواعي الأخوة الحميدة، وعليك أن تعذرهم لعيشهم مغتربين عن مجتمعاتهم، لكن المزعج حين يتحدثون في مواضيع لا تريد التحدث عنها ولا يفهمون تلميحاتك لتجنبها، أو يسألونك أسئلة شخصية كثيرة، كمن يريد أن يتأكد من جدوى اختطافك.

ثم حططت متاعي في الغرفة المتواضعة، وخرجت للمدينة التي بدت -وبالتأكيد أعني وسطها- عشوائية فوضوية بعفوية جميلة. عشوائية يستحيل معرفة الاتجاهات فيها أو سلوك شارع مستقيم لعدم وجود ما يمتد أكثر من نصف كيلو، وكوني إنساناً سهل الضياع فذلك غير مريح البتة. لكن جمال الشوارع وكثرة الدراجات الهوائية وتعدد القناطير والقنوات المائية الجميلة وانتثار الزهور الملونة يعوض ذلك ويربو عليه، حتى أنك تفرح بالضياع هنا. وأشد ما فاجأني طول اليوم فيها، فقد وصلت المدينة عصراً ومشيت طويلاً وتناولت وجبة ولما تغرب الشمس بعد، فالغروب عندهم بعد العاشرة مساء!

(٢)

أمستردام مدينة فريدة جميلة ذات طابع خاص ساحر، تتميز بشبكة قنوات مائية تفوق ما في البندقية طولاً وقناطرٍ وجسور، ومنازلها مبنية فوق أعمدة خشبية -كون التربة تحتها رطبة منخفضة عن سطح البحر- لها واجهات ضيقة مضحكة لا تتناسب مع عمقها، وتنتشر في أرجاء المدينة الدراجات الهوائية وهي من الكثرة أن عددها يتجاوز سكان المدينة.

وربما وجدت فيها وأنت تمشي متجولاً بغبطة وحبور متجراً اسمه “كوفي شوب” وهذا ليس لبيع القهوة كما يبدو لبريء يزور المدينة أول مرة، بل هو متجر لبيع القنب أو الحشيش، استهلاكه والمتاجرة به قانونية عندهم كما لا يخفاك. والمدينة على كل حال معروفة بتنوعها الثقافي ففيها ما يتجاوز المئة جنسية عدا السياح ومعظم سكانها يتحدثون اللسان الإنجليزي بطلاقة مع الهولندية والأصغر سناً تحديداً.

كانت أمستردام في بداياتها قرية صغيرة لصيد الأسماك تقع على ضفاف نهر الأمستل نهايات القرن الثاني عشر الميلادي، ثم أصبحت فيما بعد واحدة من أهم الموانئ العالمية إبان عصر هولندا الذهبي (القرن السابع عشر). أما اسمها الحالي فهو مستمد من كلمة Amstelredamme (أمستليردام) بمعنى: سد على نهر الأمستل. وأول ذكر لهذا الاسم كان في وثيقة مؤرّخة بعام 1275م عندما أعفي السكان الذين بنوا جسراً مع سد -اسمه الآن الدام سكوير وهو أشهر ساحاتهم- على نهر الأمستل من دفع رسوم بناء الجسر من قِبل كونت هولندا فلوريس الخامس، ثم تحور الاسم إلى أمستردام وما زال قائماً حتى الآن.

وكان استقلال الهولنديين في القرن السادس عشر بعد ثورتهم على ملك إسبانيا لفرضه ضرائب جديدة على الهولنديين والاضطهاد الديني الذي تعرض له البروتستانت من قبل محاكم التفتيش الإسبانية. تعاظمت هذه الثورة إلى حرب الثمانين عاماً التي انتهت بالاستقلال الهولندي ممهدةً لعصر أمستردام الذهبي الذي أصبحت فيه المدينة أغنى مدن العالم وأبحرت فيه سفنها العسكرية والتجارية إلى بحر البلطيق وأمريكا الشمالية والبرازيل وأفريقيا وإندونيسيا والهند وسريلانكا مشكلة بذلك أساس شبكة التجارة العالمية الحديثة، ومن المعلوم دخول الألمان لهولندا في الحرب العالمية الثانية ولهذا قصة تطول وتبعات.

أقول أن أمستردام تحتضن في قلبها العديد من الأماكن التي تستحق الزيارة -مع شوارعها الودودة- مثل قنواتها المائية التاريخية ومتحفها الوطني الكبير “ريكز” ومتحف فان غوخ الذي لم أتمكن من زيارته لضرورة حجز تذكرة دخوله قبل الموعد بثلاثة أيام على الأقل، وهو ما لم يخطر على بالي، وما دفعني لترتيب حجوزات المزارات لبقية الرحلة مبكراً، فاستعضت عن متحف فان غوخ بمتحف ريكز الوطني ومتحف الفن المعاصر ووجدتهما فريدين يستحقان الزيارة، وركبت في رحلة قارب ممتعة ساحرة بين البنايات والجسور القديمة والشوارع المزينة بالدراجات والزهور، وكنا -جميع من في القارب- نصفق ونصيح لكل من نمر بهم من الناس، ومعنا مجموعة فتيات فرنسيات لم ينقطعن عن الثرثرة وكنّ مصدر  الإزعاج والصياح والعويل الأكبر، حتى أن الكابتن الشاب -ويليام- همس لنا في غفلة منهن أننا أكثر المجموعات إزعاجاً هذا اليوم. وهو شاب لطيف بالمناسبة، جلس يقود القارب ويحدثنا عن زيارته اليابان وجنوب أفريقيا ومصر وكوستا ريكا، وعدم رغبته بزيارة الصين وروسيا، واهتمامه بكرة القدم وتشجيع فريقي برشلونة وآياكس. وهو من شرح لنا سبب نحافة واجهة جميع المباني القديمة في وسط البلدة كنتيجة للضريبة القديمة التي اعتمدت على عرض واجهة المبنى وعدد النوافذ أحياناً فقام الناس يقتصدون فيهما.

ورغبت إحدى الفرنسيات -لما أفرطت بالشرب وصاحباتها- بالظفر بقبلة على خدها من ويليام في نهاية الرحلة، ولما رفض طلبها التفتت إلى أحدنا لعلها تحصل منه على ما منعها عنه وليام، ولكن هيهات، وربما كانت النسوة برفقتها قد تحدينها، من يدري فلسنا نفهم الفرنسية، الأكيد أنهن لم تكن بكامل قواهن العقلية ذلك الحين.

وحضرنا عرضاً كوميدياً بالإنجليزية “ستاند أب كوميدي” بدأ تمام العاشرة ليلاً، وهذا نادر الحدوث في البلاد غير الناطقة بالإنجليزية، وصدقاً أقول أن من جماليات هذه المدينة بقاؤها مستيقظة لوقت متأخر. لم تعجبني المتحدثة الأولى كما أعجبني وأضحكني المتحدث الثاني والذي كان يعمل في الصباح مرشداً سياحياً مما منح حديثه مزيجاً من التنوع والطرفة والدعابة، ثم أخذنا استراحة وعدنا مع المتحدث الثالث والأخير، ولا تحضرني أي نكاته الآن رغم ذكرى الضحك والأنس، وليس يقل مقدم العرض ومديره جودةً عن بقيتهم، وكان من أغرب ما كان أن أحد الحضور أمريكي ومعه خليلته الروسية، وهذا مضحك وساخر من غير نكتة، وكان من الحضور شاب مكسيكي يقول أنه أكثر الحضور تنوعاً عرقياً، فجده ياباني تزوج فتاة أندنوسية عندما هرب من اليابان إلى البرازيل وقت الحرب العالمية، وتعرف عليها لما كتب في الجريدة قبل سفره أنه يبحث عن زوجة فردت عليه بصورتها فتزوجها وهاجرا إلى البرازيل، ثم انجبا ولداً ذهب إلى المكسيك وتزوج بدوره، هو أبو المتحدث، أو هكذا فهمت القصة فهي كما تلاحظ شديدة التشعب والتشتت وهو ما منح مقدم العرض مساحة كافية لابتكار نكات مضحكة عن هذا الخليط العرقي.

إذن فقد وجدت أمستردام مدينةً ظريفة، وعلى شدة استعدادي النفسي والجسدي ورغبتي بركوب دراجة هوائية والتمتع بجولة في أجمل مدينة مهيأة لركوب مسترخٍ طويل وفرجة مبهجة، إلا أن تكرار هطول المطر المتقطع وشدة الرياح وبرودة الجو -رغم أنه شهر صيف- دفعوني للتخلي عن الفكرة من غير تردد. ولو سألتني لقلت أنني زرت المدينة في الشتاء لا الصيف، فقد صادفنا من البرودة ما دفعنا للتكثر من الملابس وشراء ما ينقصنا منها وصرف النظر عن الخروج بتيشيرت صيفي وحسب. مؤكدٌ أن أمستردام بأزقتها الحنونة تستحق زيارة ثانية، وما زاد جمالها أنني لم أر فيها سوى مشرداً أو اثنين، وبذلك تكون أقل المدن الأوروبية مشردين عندي، وتأكد هذا التصور لما زرت بروكسل بعدها.

يشكل الإسلام ما يتجاوز عشر سكانها بقليل، وقد زارها قديماً ووصفها الرحالة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري في رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب، وذكر اسمها بالعربية (مسترضام): “ولما أن بلغنا إلى مدينة مسترضام، رأيت العجب في حسن بنيانها، ونقائها، وكثرة مخلوقاتها، تكاد أن تكون في العمارة مثل مدينة بريش بفرنجة (باريس) ولم تكن في الدنيا مدينة بكثرة السفن مثلها. قيل أن في جميع سفنها، صغاراً وكباراً، ستة آلاف سفينة. وأما الديار، كل واحدة مرسومة، ومزوقة من أعلاها إلى أسفلها بالألوان العجيبة. ولن تشبه واحدة أخرى في صنع رقمها. والأزقة كلها بالأحجار المنبتة. والتقيت بمن رأى بلاد المشرق، وبلاد الصقالبة، ورومة، وغيرها من بلاد الدنيا. قال لي إنه ما رأى مثلها في الزين والملاحة”

(٣)

منطقة زانسي شانس Zaanse Schans الريفية الهولندية تشمخ كمتحف مفتوح شمال أمستردام، وتعد من أقرب وأهم المعالم التي تعكس الحياة الريفية والصناعية خلال القرنين السابع والثامن عشر الميلادية، وألطف ما ستراه هناك مجموعة من الطواحين الهوائية الأصلية التي ما زال بعضها يعمل حتى الساعة وبجوارها منازل خشبية تقليدية مطلية بالأخضر وجسور جميلة تمتد فوق قنوات مائية صغيرة. وجدنا كذلك بعض الورش الحرفية ومصنعاً ومزرعةً للجبن تذوقنا فيها من أنواع ونكهات الجبن ما لا يخطر على بال. قرية حنونة تجمع بين التاريخ والطبيعة وكأنها لا تنتمي لهذا العصر.

ولم نطل فيها المكث بل واصلنا مسيرنا نحو شمال شرق هولندا حيث نزلنا في جيثورن Giethoorn المسماة “فينيسيا الشمال” وسر اللقب توشحها بقنوات مائية تحل محل الشوارع تتحرك القوارب الصغيرة فيها بين بيوت ذات أسقف خشبية وقشية وقناطر. بيوتها مبنية على جزر صغيرة متصلة وسط طبيعة خضراء وأشجار. حياتهم اليومية تدور حول الماء والبحيرة بلا سيارات وسط القرية، والتنقل يكون بالقوارب الصغيرة أو الأقدام. يسمون قواربهم الكهربائية الصغيرة  ”قوارب الهمس” لصمت محركاتها وهي تنساب بسلاسة بين البيوت، كانت تجربة ركوب تلك القوارب رومانسية هادئة شاعرية.

قضينا في جيثورن الوادعة يومين وسط الريف، كانا في غاية اللطف والرخاء والدعة، ركبنا فيهما الدراجة الهوائية متجولين في القرية فوق الجسور ومع القنوات وحول القرية عبر شوارع تحيطها الحقول، وطبخنا عشاءنا في الليلة الأخيرة وهو ما زاد مكثنا أنساً وبهجة، ولعبنا بالورق رغم كوننا ثلاثة رجال، وجلسنا ننظر الغروب وننتظره أمام إطلالتنا الآسرة على البحيرة والبط والوز يدور حولنا طوال الوقت بتبختر وثقة، وكان الجو عليلاً بارداً كما كان في أمستردام، رطباً أحياناً.

ورغم أنك -بقراءتك لوصفي نفسي- تعلم ولعي بالحضارة والإنسان والثقافة والمدن وكل ما مت للإنسان بصلة كالفن والرياضة والتاريخ، وقلة خروجي إلى الريف وتمتعي به لعدم سعيي إلى ذلك في كثير من الأحيان، إلا أنني أستطيع القول بجزم أن ريف هولندا من الأجمل الأرياف وألطفها، وربما كان خياراً مقدّماً للهروب من صخب المدن وتعبها وقلقها، ولعل مزيج الجمال الطبيعي والهدوء والعزلة الذي تجده هنا هو خير معبن ومهيّء للتأمل والتفكير الطويل والكتابة.

(٤)

منذ هذه اللحظة سأكون وحدي، بعد أن ودعني أخي وصديقنا مغادرين أوروبا مبكراً كما جاؤوها مبكراً، ولكن ما الذي يعنيه أن تكون وحيداً؟ غريباً في مكان بعيد عن وطنك، تتجول، في صحبة واكتظاظ من الناس يحجبهم عنك حجاب من العزلة الثقافية والروحية. الترحال وحيداً أريح وأشرح كون ممشاك ومنامك ومشربك وطعامك ومدخلك ومخرجك ومزاراتك كلها تأتي كيفما تشاء أنت وحدك، لا كما يشاء لك غيرك. نعم، الحرية لا تقدر بثمن، وربما وجب على المرء تجربة العيش حرّاً بعض الوقت حتى يعرف نفسه حق المعرفة. ماذا عن منغصات السفر وحدك؟ هنا العزلة والوحدة بالطبع واستعدادات الناس للعيش معها وتقبلها، لطالما كانت هذه الأحوال تدفعني للكتابة، وهنا أيضا خلودك إلى نفسك وتفضيلاتك وعاداتك وممارساتك مهما كانت، فيما يشبه الخذلان. أقصد أنك ستظل تأكل البيتزا ولا غيرها لو كانت أكلتك المفضلة وقس على ذلك كل شيء وكل اختيار ممكن، الصحبة هم من يدفعوننا لتجربة اختيارات لم تخطر لنا على بال ولم نعرفها، الإنسان يعيش على ما تربى وشبّ عليه قليلاً ما يفارقهما في شؤون حياته كلها. وهكذا لكل من طريقتي السفر محاسنها ومنغصاتها، وكلٌ أدرى بما يصلح له وما يحسن به، والعاقل يلبس الثوب الذي على مقاسه لا ما يمليه الناس عليه.

(٥)

بروكسل، عاصمة بلجيكا ومقر الاتحاد الأوروبي، تجمع في حضنها التاريخ والحداثة في مشهد حضري متجانس، ليست عندي أجمل من أمستردام، وبالتأكيد بدت لي للوهلة الأولى أفقر منها، ووجدتها تشبه مدينتي براغ وأثينا كثيراً. وسط بروكسل يتمركز حول ساحة غراند بلاس وهي واحدة من أجمل الساحات في أوروبا، تحيط بها مبانٍ مزخرفة من القرن السابع عشر، وتتفرع منها أزقة ضيقة مليئة بالمقاهي والمتاجر التقليدية ومحلات الشوكولاتة الفاخرة، تزين جدران تلك الأزقة والشوارع رسومات قصص مصورة تعبيرًا عن حب المدينة للرسوم المتحركة والكوميكس.

المشي في المدينة يكشف تداخلاً بين المباني العريقة والأسواق الحديثة، مع تنوع لغوي واضح بين الفرنسية والهولندية وذلك مظهر من مظاهر هوية بلجيكا المركبة. ثقافة البروكسليين تميل إلى العملية والبساطة، ويعرفون بروح الدعابة الساخرة وحبهم للفنون الحياة اليومية فيها هادئة نسبيًا مقارنة بعواصم أوروبية أخرى. ما يميز بروكسل عن بقية العواصم الأوروبية هو طابعها المختلط: ليست مزدحمة وصاخبة مثل باريس أو لندن، لكنها أيضًا ليست مدينة صغيرة. كان الجو مشمساً وقت تجولي في أزقتها والسماء صافية كصحفة بيضاء ليس فيها إلا الشمس زيتونة.

ومن أغرب ما شاهدت ورأيت تمثال شهير اسمه مانيكن بيس وهو رمز شهير لبلجيكا يعكس روح المدينة المرحة والفكاهية والغير متحفظة ربما. يصور التمثال صبياً صغيراً عارياً يتبول في نافورة، وهذا والله من عجائب الدنيا والناس، كيف يتخذ قوماً هذا التمثال نصباً لهم يعبر عنهم، معلماً سياحياً ورمزاً ثقافياً فلكلورياً. يعود تاريخ هذا التمثال إلى القرن السابع عشر، وقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة، يزينونه ويلبسونه في كل مناسبة ملابسَ مختلفة تحاكي التقاليد والاحتفالات المحلية. زيارة التمثال الذي تجده صدفة في تقاطع شارعين يوحي لك بطرافة وضعه عرضاً أمام الناس ويملؤك تعجباً وضحكاً من فجاجة صاحب الفكرة وقلة حياء أهل البلدة. والغريب الساخر أنني وجدت عرضاً في تجولي أختاً للصبي تمثالاً تفعل فعلته كذلك جالسةً في زقاق ضيق معزول لحساسية المنظر ربما ويزورها السياح للفرجة ولو لم أصطدم به فجأة ما عرفت عنه، ويقال أنه هناك كلب كذلك له تمثال لم أشاهده، وهذا والله من عجائب المشاهد والأفعال.

هناك من أخبرني أنهم أول من بدأ صناعة الرسوم المتحركة في أوروبا ولذا حاولت الذهاب إلى متحف الكوميكس هناك، ولكن داهمتني مجموعات من الأطفال كثيرة، فصرفت النظر عن دخول المتحف لما تيقنت أنه أقرب للرسوم المتحركة الطفولية وأفلام الكرتون منه إلى الكوميكس حقيقةً.

وزرت متحف الشوكولاتة في بروكسل Choco-Story وانخرطت في تجربة عملية لصناعة الشوكولاتة. تبدأ الجولة في المتحف بتعريف بسيط عن تاريخ الكاكاو وكيف وصلت الشوكولاتة إلى أوروبا. لكن الجزء الأهم هو ورشة الشوكولاتة، حيث يصنع الزائر قطع شوكولاتة خاصة به بإشراف خبراء، مع شرح للخطوات من التذويب حتى التزيين والتغلييف. تجربة لطيفة وهادئة تتيح لك التعرف على الحرفة وأكل الشوكلاته اللذيذة وصناعة نكهاتك الخاصة، وجميل مشاهدتك للأطفال الذي حضروا بصحبة أبائهم وانضموا لمجموعتك الصغيرة.

ثم ركبت أظرف قطار إلى باريس جلس فيه أمامي صبي صغير -كثير اللعب والحركة والكلام- مع أمه فأحببت ظرافته ومرحه المستمر وتعبه ونومه، وقضيت بعض الوقت أطالع فيلماً رائعاً عن مرافعة قانونية بين طالبين يحاولان الإجابة عن سؤال مشكل: هل الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن الوضع الراهن في الضواحي الفرنسية؟ ومن هذا السؤال وحواباته يتجلى الصراع الطبقي بكل وضوح لما تولت طالبة بيضاء الدفاع عن الأقليات ولوم الدولة وتولى ولد أسود الدفاع عن الدولة ولوم الأقليات، ويالها من مفارقة. المناظرة ليست جدالاً فكرياً وطبقياً فحسب، بل صراع حقيقي بين مركز المدينة وهامشه، بين الامتيازات والحرمان، بين خيارات الحياة والصراع من أجل العيش الكريم. تقول الفتاة: “السؤال من هي الدولة؟ الدولة ليست الشعب. الدولة الاشخاص الذي يحكومننا، وغالبا ما يكونون من البيض الاثرياء” فيرد عليها الولد: “الشعب هو من انتخب الطبقة الحاكمة، فإذا كانت الدولة ملامة، فالشعب كذلك” ثم تقول لاحقاً: “نظامنا الديمقراطي ليس سوى تنكّر، القانون والمراسيم ليست سوى بداية المشكلة، الدولة ليست الشعب فهم لم يتخذوا قراراً حول السياسة الداخلية أو الخارجية منذ وقت طويل” ليختم الولد مرافعته الملحمية: “لن أترك للدولة اتخاذ القرار عني، أنا من أختار أن أكون ضحيةً أو جندياً!” ويالها من مقدمة ملحمية لدخولي الأول إليك يا باريس!

(٦)

طيب، وصلت المطار أخيراً، بعد تعجيل عودتي يومين عن العودة المجدولة، وإلغاء ما أمكن إلغاؤه من حجوزات، الآن أشعر براحة أكبر رغم اقتصار نومي البارحة على ثلاث ساعات لا غير، وربما يمكنني كتابة بعض الكلمات التي تلخص ما حدث في يومين منذ وصولي باريس حتى مغادرتها الآن.

لما دخلت باريس وجدتها كبيرة يستحيل الإحاطة بها من زيارة واحدة، ويستحيل التجول فيها مشياً بالتأكيد، ومن حسن التدبير وحسن الصحبة أن صاحبي لما فارقاني نصحاني بخطة مقترحة لقضاء أيامي الأربعة هنا، وهيأت بمشورتهم جميع حجوزاتي ومنها أذكر متحف اللوفر وقصر فاراساي والأوبرا وعرض كوميدي وورشة عمل لصناعة العطر الخاص بي وزيارة برج إيفل وغيره، وقد فرقت أيام مكثي على نصفين أولهما في أفضل هوستل وجدته في باريس (اطلع على مذكرات البرتغال) وآخرهما في فندق جيد بقرب الشانزليزيه.

فما كان لما وصلت غير قصدي للهوستل وترك أمتعتي في غرفة صغيرة هناك يتشاركها أربعة رجال، لم أجد منهم أحداً كما هو متوقع، والسرير الرابع خاوي تماماً. ثم نزلت ومشيت عشرين دقيقة في حي جميل شمال نهر السين وشرق اللوفر اسمه مارسيّا أظن، ولم أفلح بدخول متحف أغلق أبوابه مبكراً، فذهبت أسترخي في مقهى قريب جميل قهوته رائعة، وتعجبت أن التبريد والتكييف معطل عندهم في هذا اليوم الحار دون غيره، ونعم كان هذا اليوم الأحر في الأسبوع، طلبت قهوة باردة وجلست عندهم متعباً من المشي، ويبدو أنني أطلت المكث فما غادرت إلا مع إغلاق المقهى. حينها بدأت أشعر بدوار غريب كمن يوشك أن يغشى عليه فتراه يمشي والأرض تدور به، بدأت أفكر سريعا باحتمالات مختلفة، ربما يكون تسمماً من نوع ما لكني لا أدري فلم يسبق لي التسمم ولا أعرف أنه يسبب الدوار، ربما كان انخفاض سكر لكنني أكلت آيسكريم بلا فائدة، وتكرر الأمر بعد تناولي وجبة قبل المغيب فالأقرب أن سكري مرتفع لا منخفض، إذن هو بالتأكيد انخفاض ضغط ويجب علي تناول ملح بسرعة. وقفت بشكل غريب أمام مطعم لما تكرر الأمر وسكني بعيد لا يمكن وصوله بسرعة، ولا أدري لماذا لم يخطر على بالي الاتجاه إلى صيدلية أو مستوصف، كان الوقت يداهمني فدخلت المطعم وتحليت بوقاحة طلب حفنة من الملح بشكل عاجل من غير جلبة، وكانت النادلة من اللطف أنها لم تسأل عن شيء، فناولتني حفنة من ملح الطعام ابتلعتها وحاولت مواصلة المشي، ولم أبرح أن توقفت عند أقرب تقاطع وطلبت أوبر فالمشي لم يعد ممكناً بحالتي هذه، ووصلت النزل أخيراً وأنا متعب.

كانت الساعة التاسعة ربما والشمس لم تغب بعد. ولم أخبر أحداً حتى اللحظة فراسلت شخصين أحدهما أخي وأخبرتهما بما أشعر به وما يجب فعله، أخبرني أحدهما أنها أعراض ضربة شمس أو إجهاد حراري.

الآن فهمت ما يجري، وبدا إحساسي بحرارة جسمي التي أخذت ترتفع مفهوماً في هذا السياق. لم أشرب ما يكفي من المياه والسوائل هذا اليوم، وغامرت بتنقلات كثيرة في بروكسل صباحا وباريس عصراً معتمداً على قدمي فقط تحت وضح النهار والشمس الباهرة، كان أحر يومين في سفرتي كاملة هما البارحة في بروكسل واليوم في باريس، اختيارات كثيرة قمت بها ولم أراعي حرارة الجو، والنهار هنا طويل للغاية فالتعرض للشمس طويل المدة، حتى في القطار أتذكر شعوري بالحرارة رغم أنه مكيف، هنا تمنيت عودة أيام أمستردام الرطبة الباردة. قررت إيقاف كل شيء والخلود للراحة، لم أتمكن من التعرض لدش بارد كوني شككت في قدرتي على الوقوف هكذا، لكنني رطبت جسمي واسترخيت في مكاني بانتظار دخول أحدهم للغرفة المشتركة.

طبعاً، وهذا في غاية الطرافة، تزامن كل ذلك مع قصف عنيف وتراشق بالصواريخ والتهديد بنسف معامل نووية بين اليهود وإيران، ولا أدري لم يحدث هذا لي في كل مرة أسافر، أعني نشوب حرب خطيرة وأحداث سياسية حرجة في غيابي عن وطني، سم ما شئت من تلك الأحداث في السنوات الأخيرة: سقوط بشار؟ كنت مسافراً. حرب أوكرانيا؟ كنت مسافراً. حرب غزة؟ كنت مسافراً. والآن هذا التراشق بالصواريخ. راسلتني أمي تطمئن وتستفسر عن رغبتي بتعجيل عودتي نظراً لتفاقم الأوضاع في المنطقة. وحدث أن عجلت عودتي نعم. لكنني لم أخبرها أنني كنت متعباً وبقيت يوماً ونصف في النزل لا أغادره. لا تخبرها بذلك.

حاولت بطبيعة الحال إلغاء ما يمكن إلغاؤه من حجوزات، وطابت النفس من استكشاف باريس الكبيرة تحت هذه الشمس الحارة، وعسى أن أعود يوماً ما، فما زلت أود زيارة اللوفر وسواه من مزارات تمنيت لو أرجأ أخي زيارتها حتى نراها معاً بدل أن يسبقني إليها.

(٧)

المضحك أن الهوستل نفسه كانت غرفه من غير تكييف وتبريد، وهنا شتمت في نفسي كل من قرر الاستغناء عن التكييف في أوروبا لأنها كثيرة المطر والثلج شديدة البرد في الشتاء. فصرت إذا تعبت من الجلوس أصعد إلى الغرفة أستلقي، وإذا نشطت أنزل إلى المطعم والبهو الكبير للتبرد.

وكان أول من دخل علي -قبيل منتصف الليل- من نزلاء الغرفة رادولف، مكسيكي يكبرني ببضعة أعوام ولم نتحدث كثيراً غير تعارف سريع، بعدها أخبرته بقصتي وطلبت منه تفقدي في الصباح، وجاء في منتصف الليل عجوزٌ بدا سكراناً أو خرفاً لا أدري، لكنه نام مباشرة بعد أن استحم وأوشك على التعري أمامنا، ثم تكرم علينا قبيل الفجر وشرفنا بدخوله المتأخر الميمون شابٌ صغير جامعي آسيوي -كما حكمت من منظره في ظلام الليل ونعاسه- ونام مباشرة، ثم خرج بأمتعته من غير وداع ونحن نيام في السابعة، فلم نسمع صوته ولا نعرف شيئاً عنه، ولاحظت كل ذلك لأنني سريع الانتباه من نومي لأدنى حركة وصوت مع الأسف، ولما تركنا النافذة مفتوحة للتهوية والتبريد فكثيراً ما استيقظت من صوت سيارة خاطفة أو دراجة أو صرخة بعيدة في الشارع أو عويل حفلة متأخرة، ونحن في الطابق الخامس فتخيل.

ولم يأتي ضحى اليوم التالي -والضحى بمثابة الظهيرة عندهم لطول النهار- حتى غادر جميع من نام معي وبقيت وحدي، ثم جاء أول نزيل جديد لليوم الثاني، وهو أظرف وألطف من قابلت هنا وأكثر من حدثت، رجل خمسيني ملتحٍ أشيب أمريكي-هندي، بريطاني الأصل من طرف أبيه، بينما أصوله من أمه أمريكية قديمة فهو هندي حقيقي، أو من بقايا هنود أمريكا الأوائل، ولا أدري لماذا يسمون أهل أمريكا القدماء هنوداً حتى الآن بدل اختراع اسم أقل ارتباكاً. انتظر حتى تسمع هذه المفاجأة، لقد كان الرجل مسلماً، وكم هذا غريب. تعرف على الأسلام قبل ثلاثين سنة، قبل ولادتي، بعد أن عاقر الخمر مراهقاً وعاشر النساء وفعل ما فعل، ثم أدبرت الدنيا في وجهه وسحبت رخصة القيادة منه، لقيادته السيارة سكرانا، ثم كررها فسجن، ونصحه أحد معارفه -ولم يكن الناصح مسلماً وهذا من العجائب- بأن يتعرف على الإسلام، فأسلم بعد حين. ودارت الدنيا دورتها، فعاش في الرياض سنوات، وعاد بعدها لأمريكا كي يعمل في مجال إبداعي. له ثلاثة أبناء أحدهم قريب من عمري. اسم هذا الرجل مصطفى هورتن، وأعطيته تمراً مما كنت أحمل معي فرد بأنه يعرف “السكري” فضحكنا لذلك، وتواصينا على اللقاء في أمريكا أو الرياض حين تسنح الفرصة.

وجاء بعدها شخصين إضافيين للغرفة، وبذلك صرت قد نمت في هذه الغرفة بمعية ستة أشخاص مختلفين في يومين. وربما لم تتح لي تنقلاتي الكثيرة تعلم كلمات جديدة، فقد واجهت اللسان الهولندي والألماني والفرنسي في ظرف عشرة أيام ويصعب علي لساني مواكبة ذلك.

تعلمت من كل ما حدث لي في الأيام الأخيرة أن الحياة لا تسير كما نريد، ولا تسير كما نخطط له، التكيف والتقبل والتغيير والانفتاح على الاحتمالات المختلفة مفاهيم ينبغي علينا اعتناقها وتطبيقها أو على الأقل تأملها، ومن النضج اتخاذ قرار التخلي عن شيء نريده بشدة، مهما كانت عرامة الرغبة، إنه لا يناسبنا أو ليس الوقت الآن مناسباً له، هذا لا يعني أن الحياة فقدت مداها ومعناها كوننا لم نحقق رغبة من الرغبات. لا أقول عش في وهم انتظار اللحظة المناسبة، بل أقول أنه لا مانع من التخلي والرحيل والتوقف عندما تعرف أنك بذلت كل ما في وسعك، لن تدور الشمس والقمر من أجلك، ولا تملك إيقاف تعاقب الليل والنهار. ذهبت إلى باريس وعدت متخلياً عنها.

*عدت إلى منزلي بالسلامة، وطالت علي حالة الدوار هذه لأكثر من أسبوع، وراجعت المستشفى غير مرة، طمأنوني أنها لم تكن حالة انخفاض ضغط وربما ليست ضربة شمس، بل شيء جديد لم أسمع به من قبل هو “التهاب عصب التوازن” في الأذن الداخلية ويسبب دواراً وخللاً في الاتزان، سببه فيروس، ويتحسن بالراحة الطويلة خلال أيام والابتعاد عما يبتعد عنه المصاب بنزلة برد. والحمد لله على العافية.

تمت

الاشتراك في النشرة البريدية