
مؤخراً قرأت قصة عائلة ملكية صينية تخلت عن عرشها طواعية -زمن الدول المتحاربة قبل توحيد الصين- لحقن دماء شعبها. تنازل صعب ومستحيل لبعضنا، فمن منا سيوافق على التخلي عن تمييز دمائه عن بقية البشر والاحتفاظ بحق سيادته عليهم بالولادة. الحقيقة أنه يمكن لنا التنازل عن أشياء كثيرة، أكثر بكثير مما تتصور وتظن أنك قادر عليه، حتى الدين بوسع البشر التنازل عنه في ظروف قهرية لضمان عيشهم، لا شيء معصوم من التنازل عنه، الكرامة والشرف أيضا. وليس يهمنا الآن ما الذي تنازلنا عنه، ولا مسوغات تنازلاتنا أو محاولة تبريرها والاعتذار عنها. لدينا قدرة خارقة على ابتكار سردية لحياتنا نكون نحن أبطالها -ولو في دور الضحية-، قدرة فطرية قادرة على طمس دوافعنا القديمة وابتكار دوافع جديدة مكانها تشرعن لنا تنازلاتنا ضمن سرديتنا الخاصة والمتجددة، يعني أن دوافعك القديمة نفسها يتم إعادة صياغتها باستمرار وفقاً لتنازلاتك بمرور السنوات، اسأل عالم نفس تعرف صدق هذا. كل ما وددت الإشارة إليه أن كل شيء -كل تنازل- يفهم في سياقه وليس بمعزل عما حدث قبله وأثناءه وبعده. السياقات قادرة على دفعك للتنازل عن أشد ما تتمسك به. إذن من نحن إن كانت تنازلاتنا لا تعبر عن حقيقتنا؟ نحن دوافع تلك التنازلات، ومحاولة صمودنا أمام كل تنازل.
