فيصل, Author at فيصل العايد https://faisalalayed.com/author/faisalbinayed/ Sat, 14 Feb 2026 14:32:11 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=7.1 https://i0.wp.com/faisalalayed.com/wp-content/uploads/2019/08/cropped-Light_Bound_Background_Diamonds.jpg?fit=32%2C32&ssl=1 فيصل, Author at فيصل العايد https://faisalalayed.com/author/faisalbinayed/ 32 32 243650815 أول رحالة أوروبي يزور الرياض https://faisalalayed.com/lkdmgb/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=lkdmgb Fri, 06 Feb 2026 14:34:29 +0000 https://faisalalayed.com/?p=405   يمكننا اعتبار وليم بالجريف (1826-1888م) أول رحالة أوروبي يدخل مدينة الرياض. سبقه كثيرون لكنهم تفرقوا في نجد ولم يتعمقوا مثله ولم يكتبوا مثل كتابه: مذكرات رحلة سنة في وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها. وصرح في بداية الكتاب بالسبب الذي دفعه إلى هذه الرحلة وهو تقديم النفع العام وربط حياة الشرق الآسنة بتيار التقدم الأوروبي المتسارع…، إلا أننا لا نستبعد وجود أهداف ذاتية لما تحمله مذكرات رحلته من …

The post أول رحالة أوروبي يزور الرياض appeared first on فيصل العايد.

]]>
 

يمكننا اعتبار وليم بالجريف (1826-1888م) أول رحالة أوروبي يدخل مدينة الرياض. سبقه كثيرون لكنهم تفرقوا في نجد ولم يتعمقوا مثله ولم يكتبوا مثل كتابه: مذكرات رحلة سنة في وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها. وصرح في بداية الكتاب بالسبب الذي دفعه إلى هذه الرحلة وهو تقديم النفع العام وربط حياة الشرق الآسنة بتيار التقدم الأوروبي المتسارع…، إلا أننا لا نستبعد وجود أهداف ذاتية لما تحمله مذكرات رحلته من مبالغات ومداعبات للشعور القومي الغربي ومحاولات لتسويغ الاستعمار الذي كان مستعرا في أرجاء العالم آنذاك. الرحلة كانت بتمويل سخي من امبراطور فرنسا الذي كان يسابق الإنجليز لاستعمار ما يمكن استعماره في المنطقة، ولا يسعنا إهمال تاريخ الرحالة نفسه الذي كان يعمل قبل رحلته هذه منصراً في أوساط العرب ببيروت وتعلم هناك العربية وتسمى بإلياس ثم تسمى بسليم أبي محمود إلياس، وأحيانا يتجول باسم ميشيل كوهين. 

ولا يهمنا التطرق إلى حياة بالجريف وتقلبات الدهر عليه حتى وفاته، بقدر ما يهمنا استعراض بعض ما دونه عن رحلته في نجد وما شاهده من الرياض القديمة. 

انطلقت رحلته بدخول حائل وهناك لاحظ العرب وامتدحهم بأنهم يعشقون الحرية، شجعان في الحرب، نشيطون في السلم، يتاجرون بشغف، ولا يهتمون بوعثاء السفر، ولا يثنيهم الاغتراب، والوفاء خصلة عندهم، وهم عنصر يتفوق على كافة العناصر الآسيوية والأفريقية! (كذا قال) 

ثم التقى بمرشده أبي عيسى في بريدة ليرتحل معه إلى الرياض، وأبو عيسى هذا شامي جاء من حلب، ومن الطريف أن بالجريف حمل معه خطاب توصية من حائل وكان من فطنته أن فض الرسالة ليقرأها قبل وصوله الرياض، ووجد فيها إشارة إلى أنه يمارس الشعوذة والدجل، فخشي أن تكون هذه جريمة عقوبتها الإعدام في فكتم أمر خطاب التوصية ولم يقدمه. لكنه تقدم بعد وصوله بإذن رسمي لممارسة العمل فكتب: “لقد وصلنا إلى الرياض ونحن نرجو فضل الله أولا ثم فضل فيصل، ونطلب إلى الله ثم إلى فيصل أن يأذن لنا بممارسة مهنة الطب تحت رعاية الله أولا ثم رعاية فيصل” وعلق شارحا لقرائه: على كل شخص أن يقدم في حديثه الإله أولا ثم يأتي باسم الحاكم بعدئذ مع مراعاة عدم استعمال حرف العطف الواو.  

ثم بدأ بسرد ملاحظاته ومشاهداته، فذكر بعض القرى والمدن ومنها الرياض ومنفوحة والدرعية ووادي السلع (هكذا ولعله قصد السلي) والحوطة، ونسب لمنفوحة الشاعر عمرو بن كلثوم الشمري (هكذا سماه خطأ). ولاحظ أن القبور دوارس لا شواهد لها ولا كتابات ولا نقوش تميزها، وأن أهل البلدة يحبون الطيب واللبان ويستعملون مبخر فخاري لذلك ويبقى عبق الطيب عالقا بالجسد ساعتين كاملتين. وامتدح قهوة الرياض ويرى أنها لا تُنَافس ولا تدانيها قهوة في أي بلدة أخرى. ولاحظ تردد النساء على السوق بكثرة، واشتغالهن ببيع اللحم والحطب واللبن وغيره، وانتشار ثقافة المساومة والمماكسة في السعر، وما سماه أكبر تجمع بشري لآكلي اللحوم بقرب محال القصابين وكتب أن النجديين أكلة لحوم عظيمون. وحكلى أنه رأى في الرياض وفودا من مشارف عمان يرتدون ثيابا صبغت بالزعفران وآخرين من أهل البحرين في ثياب مزركشة على النمط الفارسي ووفادين من شبه الجزيرة الهندية وغيرهم كثيرون.  

ووصف نفسه ورفيقه حاكيا طريقة تعاملهم: أرخينا الغطاء على رؤوسنا مثل العربي الحقّ وأعفينا لحانا، ولبسنا العباءة السوداء، وأخذنا نجتاز الشارع الذي يربط بين منزلنا والسوق بخطوات جنائزية وفي يد كل منا عصا طويلة، وكنا لا نتحدث إلا همساً، ورحنا نحتي كل من يقابلنا أو نرد عليه السلام إن للتحية قواعد تقتضي أن تحيي الجماعة الأقل عدداً الأكثر منها عدداً، وأن يلقي الراكب التحية على الماشي، أما الأخير فيحيي الواقف الذي يجب عليه بدوره أن يحيّي الجالس وهكذا دواليك، ولكن يجب على الرجل ألا يسلم على المرأة. إن فرق السن والوجاهة والوظيفة لا يعني شيئاً بالنسبة إلى أولية من يبدأ بالسلام وعلى المرء أن يرد التحية مثلها من دون النظر إلى كون المحيين من معارفنا أو من الذين نقوم بعلاجهم. 

وقدر بالجريف القرى التي في اليمامة إلى ما يزيد عن الثلاثين، ووصف أحياء الرياض أنها أربعة: حي شمالي شرقي يضم قصور الأسرة الحاكمة ومنازل موظفي الدولة وميسوري الحال، وحي شمالي غربي فيه يسكن الأغراب الوافدين إلى المدينة والمشبوهين وضعيفي الدين وتجد فيه دون غيره من يبيع التبغ ويدخنه وهناك مكث بالجريف، وحي جنوبي غربي وفيه يقطن المشائخ ورجال الدين الذين وصفهم بأنه لا يمكن مجاراتهم في أداء الصلوات الخمس يوميا ورعاية كافة أزهار التقوى، وحي جنوبي شرقي ويعد أكثر الأحياء كثافة سكانية ويشكل النازحون إلى المدينة من القرى المجاورة غالبية قاطنيه وربما كان أسوأ الأحياء بناء وأقلها جودة في الرعاية الصحية وتشهد على ذلك الكوليرا التي عصفت بالمكان غير بعيد. ولا يوجد فاصل حقيقي بين تلك الأحياء الأربعة فهي متجاورة متلاصقة. 

وصحيح أن زيارته كانت قصيرة نسبيا وأنه أورد كثير من الملاحظات بحياد وموضوعية، إلا أن بعض الملاحظات كرر فيها أخطاء من سبقوه للأسف وبالأخص في ما يتعلق بحديثه عن الدين، على أنه أقترب مسافة أكبر وعنده من الدراية باللغة العربية والدين الإسلامي ما يفترض أنه عصمه عن بعض أخطائه وجناياته. فمثلا يدعي أن النجديين لا يتوضؤون للصلاة وأنهم يستعيضون بالتيمم كسلا، وأنهم يدخلون المسجد بنعالهم وهذا باطل فشافعية دمشق ومالكية مصر لن يقنعهم ذلك، ولا يفوت تقديم بعض الملاحظات عن صيغة الأذان التي يراها ناقصة. وزبدة القول أنه لم يؤثر عنه مجالسته لفقيه أو عالم أو قراءة كتاب في الفقه والعقيدة -وهو لا يخجل من التصريح بذلك- فمعظم ما دونه هو من رواية من جالسهم ورافقه ولو كان أعرابا، ولا يفوته فلسفة تلك الروايات حسب هواه، ثم تلقى تلك الروايات رواجا في الدوائر الغربية لأنها تؤكد في أذهانهم الصورة التي رسموها سلفا. ومن نافلة القول الإشارة إلى تطرقه للدعوة الإصلاحية بما ليس فيها واجترار ما قاله الرحالة قبله عنها وما كان رائجا في المناطق التي جاء منها ومر بها قبل بلوغه نجد، وهذا مما عمت به البلوى بين الرحالة جميعهم. وتجد بين ثنايا ملاحظاته ومشاهداته امتداح الطمأنينة وانعدام الحركة في صلاة أهل الرياض، واكتفائهم بدعوة وحيدة “اللهم أذل الكفار” ورفضهم استعمال المسبحة مكتفين بأصابعهم للتسبيح، كما يشير إلى وقوفه على أكثر من ثلاثين مسجدا وجامعا يتميز جميعهم بعدم وجود الزينة. 

تقدم رحلة بالجريف -على ما يشوبها من شكوك وإنكار بعض الرحالة لها وعلى رأسهم عبدالله فيلبي- وصفاً مبكراً للرياض والدولة السعودية الثانية، ولم يثبت أن بالجريف التقى الإمام فيصل بن تركي، ثاني أئمة الدولة السعودية الثانية، لكنه نقل صورة مبكرة عن المجتمع الناشئ ووثق انطباعات عن المعيشة اليومية وبعض المرويات المحلية وكتب عن الرياض أنها: مدينة واسعة نظيفة تحيط بها البساتين وفي أهلها مهابة وصدق وأن أهلها يرجعون أمجادهم إلى اليمامة القديمة. 

The post أول رحالة أوروبي يزور الرياض appeared first on فيصل العايد.

]]>
405
أنت لا تراك https://faisalalayed.com/ldkfsdf/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=ldkfsdf Fri, 26 Dec 2025 14:50:32 +0000 https://faisalalayed.com/?p=393 لو وقفت أمام مرآتك ستنتبه أنك لا تراك. أجل، ترى وجهك، وبعض جسدك، لكنك لا تراك كلك. مهما حاولت واحتلت، يتعذر عليك رؤية جسدك جميعها من كل جانب. يجب أن تخرج عنه لتراه، كما يكون طور الشخص الثالث (TPV) في الألعاب. هذا الانتباه ليس بذي أهمية، لولا أن السؤال التالي ربما داهمك بغتة وأنت ما …

The post أنت لا تراك appeared first on فيصل العايد.

]]>
لو وقفت أمام مرآتك ستنتبه أنك لا تراك. أجل، ترى وجهك، وبعض جسدك، لكنك لا تراك كلك. مهما حاولت واحتلت، يتعذر عليك رؤية جسدك جميعها من كل جانب. يجب أن تخرج عنه لتراه، كما يكون طور الشخص الثالث (TPV) في الألعاب. هذا الانتباه ليس بذي أهمية، لولا أن السؤال التالي ربما داهمك بغتة وأنت ما زلت في لحظة نظرك إلى مرآتك: ماذا لو كانت النفس والعقل كالجسد، يستحيل رؤيتهما من الداخل؟
يقول وندل هولمز “إن الإنسان إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة، الإنسان كما خلقه الله، الإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى نفسه”. ويصرّح العقاد حاكيا عن نفسه “هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان أنهم يتحدثون عن إنسان لم أعرفه قط، ولم أَلْتقِ به مرة”.
عقولنا قادرة -وكثيرا ما تفعل- على نسج قصتها الخاصة وحشد ما تريده من ذكريات وانطباعات وتجارب لتكوّن صورتها عن نفسها ودورها في الحياة وأفكارها ومعتقداتها، وربما كانت جميع تلك التصورات الذاتية خاطئة مفارقة للمنطق وعبثية بامتياز، لكنها مريحة. يعني أننا في غالب الأحيان نرى وهمنا عن أنفسنا ولا نرى حقيقة أنفسنا.
كيف نثق بعقل لا يرى نفسه جيداً؟ عقولنا تعمل في فضاء معتم يعتمد على انطباعات وذكريات وطباع وتجارب سابقة، وتميل إلى بناء صورة ذاتية مرضية لنا قبل أن تكون حقيقية. فضاء محشو بتحيزات إدراكية كثيرة تصنع وهم معرفتنا لأنفسنا؛ ونغفل أننا نبرر أخطاءنا على الدوام حسب مصالحنا، ونختار من الأدلة ما يدعم وجهة نظرنا في كل نقاش جاحدين ما يناقضها. هكذا تتشكل فينا صورة “أنا” مختزلة متحيزة مطمئنة لنفسها بعيدة عن الواقع.
يمكن تشبيه النفس ببيتٍ قديم تقيم فيه؛ تعرف دواخله وغرفه وممراته ومقتنياته، لكنك لا ترى شكله الخارجي إلا إذا خرجت منه، ولا يسعك التعرف على دقائق تصميمه وخفايا تمديداته من غير خبير عارف. أنت تدرك تفاصيل نفسك القريبة منك وتحس بمشاعرها اللحظية وانطباعاتها المباشرة، لكنك تجهل دوافعها الدفينة وتجلياتها في حركاتك وأفعالك وأقوالك. غارق في داخلك، ولذلك تحتاج إلى إشارة خارجية تشبه المعالم التي يراها الراكب ليدرك أن القطار يتحرك بسرعة، مع أنك في الداخل ربما لا تشعر بالحركة البتة.
هذا الخروج من الذات ومحاولة الانفصال عنها، سواء عبر النقد الذاتي والملاحظة والتأمل، أو الاستشارة من مختص خبير، أو حتى تقييمك السنوي من مديرك وانطباعات شركائك وعملائك وملاحظات أهلك وأطفالك وأصدقائك، هو طريقك الوحيد لترى صورتك الكاملة وتختبر ادعاءات المثالية والبطولة في نفسك. ومن هنا راجت وسائل التوجيه والهداية والعلاج والإرشاد، لو كان كل إنسان قادراً على رؤية مشكلته لم يحتج أحد لزيارة طبيب أو سؤال الهداية والإرشاد.
يرى الإنسان نفسه من خلال غيره، ولذا تصبح العلاقات الاجتماعية واحدة من أهم المرايا التي تعكس صورتنا وتكشفها لنا. ابن حزم يشير إلى معنى مقارب بقوله “من لم يَزِنه الناس لم يعرف قدره” فالآخرين يلتقطون ما نغفل عنه ولا ننتبه له لشدة التصاقه بنا، من أسلوب حديثنا إلى طريقة تأثرنا وتأثيرنا فيما حولنا، إلى مظهرنا الخارجي وملابسنا. أحكام الآخرين مهما بدت متزلفة أو قاسية أو مبالغا فيها هي حجر أساس نحتاجه لتكتمل صورة ذواتنا لنا. وهم ليسوا بالضرورة مرايا معصومة مهما كثر عددهم واتفاقهم؛ بل هم مجرد مرايا فيها من التشوّه والاعوجاج ما فيها تبعاً لتحيزات أصحابها وخبراتهم وتوقعاتهم ومواقعهم، فلا يكفي مجرد الاستماع لهم ورؤيتنا من خلالهم، بل على المرء تنويع مراياه والتوثق من مصداقيتها على الدوام بدل الركون إلى مرآة واحدة.
معرفة النفس ليست رفاهية روحية بل ضرورة. هي الأس الذي تُبنى عليه مقامات المحاسبة والمراقبة والتزكية، والإسلام يحثنا على معرفة نفوسنا وكشف حيلها وخدعها وضبط رغباتها وشهواتها ورؤية تجلياتها في سلوكنا. سعي دائم يحتاج إلى صدق ومجاهدة لا مجرد تأمل عابر. و”العارف من عرف نفسه، فاستراح من تعب طلب ما ليس له.”
والله عز وجل يقول: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} والبصر في النفس عسير من غير مرآة، وغرورٌ منا ظننّا قدرتنا على معرفة أنفسنا بالتأمل الشخصي وإهمال محاولة النظر إليها من الخارج. تبقى السبل المثلى لمعرفة النفس وتقويمها بحاجة إلى مزيد عناية وتأمل بدل الركون إلى تقليد ثقافات أخرى، وربما لديك طريقتك الخاصة في رؤية نفسك بوضوح، وكل ما أردت الإشارة إليه هو ذلك الانطباع الذي اعتمل في نفسي لما وقفت أمام المرآة لأنظر، فقالت صورتي: أنت لا تراك.

The post أنت لا تراك appeared first on فيصل العايد.

]]>
393
إعلان صدور كتاب نصف شيء https://faisalalayed.com/kjedg/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=kjedg Mon, 01 Dec 2025 05:00:50 +0000 https://faisalalayed.com/?p=364 هذه دعوة عامة للتأمل، ومحاولة جادة للتوقف عن الركض وقول شيء عن حياتنا القصيرة. بخلاف أجدادنا الذين -عاشوا حياتهم تجاراً وحرفيين ورعاةً ومزارعين- لم يعرفوا الإنترنت والآيفون والمطابخ السحابية ومشاهير برامج التواصل وزحمة الرياض والأفكار التي تضعها في رأسك، نجد جيلنا منشغلاً ببناء مستقبله والاستجابة لمتغيرات كثيرة غير مسبوقة، لم يعد يملك معها فسحة وقتٍ …

The post إعلان صدور كتاب نصف شيء appeared first on فيصل العايد.

]]>
هذه دعوة عامة للتأمل، ومحاولة جادة للتوقف عن الركض وقول شيء عن حياتنا القصيرة. بخلاف أجدادنا الذين -عاشوا حياتهم تجاراً وحرفيين ورعاةً ومزارعين- لم يعرفوا الإنترنت والآيفون والمطابخ السحابية ومشاهير برامج التواصل وزحمة الرياض والأفكار التي تضعها في رأسك، نجد جيلنا منشغلاً ببناء مستقبله والاستجابة لمتغيرات كثيرة غير مسبوقة، لم يعد يملك معها فسحة وقتٍ يعبر بها عن نفسه وعواطفه. حدث الكثير على كوكبنا منذ تفشي كورونا حتى الآن، ومن الصعب تصديق حدوث كل ذلك في ظرف خمس سنوات لا غير.
إذن فهذه محاولة متواضعة وشجاعة للتعبير، وليست شجاعتها في الخروج بطريقة تخالف الأعراف الأدبية واعتمادها على مزج الموضوعات والانطباعات التي شكلت حقبة زمنية، مرخيةً الزمام لتعددية الأنماط الأدبية بدل التمسك بالوحدة الشكلية في رواية واحدة أو مجموعة قصصية أو مقالات مفردة، كلا، تكمن شجاعة هذا العمل في محاولته التطرق إلى مواضيع جديدة تستحق التأمل وأخرى منسية مهملة إهمالاً لا مبرر له.
فجاء هذا العمل -عصيّاً على التصنيف- في نصفين؛ قصصٍ كأنها نصوص ونصوصٍ كأنها قصص، راكمها نصف عقد من التأمل والملاحظة والاعتبار.
يتحدث الكتاب عن حياتنا، عن الرغبة والمحاولة والطموح والخيبة والسعي والاستسلام، عن العائلة والصداقة والحب والوظيفة والجامعة، عن حواراتنا الذاتية والبَيْنيّة وتوسلاتنا الإلهية، عن محاولاتنا لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا، والذي نفعله نهاية الأسبوع وحدنا، عن الأنثى التي تواجه تحدياتها وتسعى للعيش كما ترغب أو كما ينبغي لها أن تعيش.
من الصعب فهم إنسان من غير الاحتفاظ بكلماته كما هي، ولذا تجد الشخوص هنا تحتفظ بحريتها في الحديث باللغة التي تريد، في مكاشفة شخصية تعاينها من غير مواربة. وليس العنوان على الغلاف ضرباً من التشويق والإثارة، هذا عمل متواضع، مبتور من أفكار إنسان عاش هذا الزمان، مجتزأ من تأملاته، أرجو أن تعيش معه بعض الوقت، وتبتهج بما يشبهك منه، وتكون نصفه الآخر.

The post إعلان صدور كتاب نصف شيء appeared first on فيصل العايد.

]]>
364
جمال السفر صحبته https://faisalalayed.com/ldfjpsdfv/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=ldfjpsdfv Wed, 12 Nov 2025 18:14:14 +0000 https://faisalalayed.com/?p=386 لست على عجلة من أمري هذه المرة لألاحق حوادث هذه الرحلة وأدونها، ولم أر هنا ما يستحق الإشارة على كل حال. ولمّا كان مكثي في هذه المدينة الوادعة لا يجاوز أياماً قلائل، أحببت تدوين بضعة ملاحظات عن الصحبة والترحال والسفر. أزعم أن كل إنسان بحاجة ماسة ومتكررة للتوقف، عن كل شيء، ومحاولة الانغماس في التأمل …

The post جمال السفر صحبته appeared first on فيصل العايد.

]]>
لست على عجلة من أمري هذه المرة لألاحق حوادث هذه الرحلة وأدونها، ولم أر هنا ما يستحق الإشارة على كل حال. ولمّا كان مكثي في هذه المدينة الوادعة لا يجاوز أياماً قلائل، أحببت تدوين بضعة ملاحظات عن الصحبة والترحال والسفر.
أزعم أن كل إنسان بحاجة ماسة ومتكررة للتوقف، عن كل شيء، ومحاولة الانغماس في التأمل والاستجمام، ومنح العقل والروح فرصة للمراجعة والمحاسبة وإعادة الفهم.
فالأمر عندي نقيض ما ذهب إليه المتنبي:
يَقولُ لي الطَبيبُ أَكَلتَ شَيئاً
وَداؤُكَ في شَرابِكَ وَالطَعامِ
وَما في طِبِّهِ أَنّي جَوادٌ
أَضَرَّ بِجِسمِهِ طولُ الجِمامِ
فالذي يلزمه الجِمام -بله أن يضره- هو العقل لا الجسم، بل ربما أتلفه دوام العمل والنظر، من غير معنى وغاية يحملانه ويقودانه.
على أن السفر وحيداً كثيراً ما كان متعذراً، أو غير مندوبٍ إليه، أو مدعاةً للسآمة والملل. ولا مناص من صحبة تؤنس وتبهج وتعين على نوائب الدهر والرحلة، وفي هذا أردت دوران الكلام.
صحيح، ليس جميع الناس محبين للسفر، هذا بديهي، وليس جميعهم يصلحون صحبةً فيه، وربما وجدت بعضهم نديماً في المجالس صديقاً في الحضر، لكن السفر بمعيته ربما انقلب ضرباً من البلاء، وهنا غلط من غلط في اختيار صحبة سفره من غير سابق تمحيص واختبار.
ولعل من قبيل المفروغ منه في شؤون الترحال والسفر وجود الحد الأدنى من تشاطر الاهتمامات وتقارب الذوق والميول بين الصحبة. لا أحد يسافر مع إنسان لا يمكنه خوض محادثة معه أو يجزم بتنافر الذوق في المأكل والمشرب والمزارات. يجب عليك الامتناع عن السفر مع إنسان يستحيل أن تتفق معه على طعام.
على أن لب أخلاق الصحبة في السفر ثلاثة: المراعاة والاحترام والتقبّل، وتكاد تنعدم بهجة الرحلة لمن خلت صحبته منها.
المراعاة فلا تجعل نفسك محور الرحلة، بل تعط مساحة كافية لاحتياجات الآخرين ورغباتهم. والاحترام فلا تنتقد طوال الوقت، بل تشجع أصحابك على الحديث ولو في مجالات لا تفضلها ولا تفهمها، وتحرص على الحديث بكلام طيّب، ولا تسارع بالغضب على تافه من الأمور، وتوسّع صدرك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وتنصت وتستشير من معك -ولو أمّروك عليهم أو كنت أخبرهم- فلا تستفرد وتستبد برأي، هذه الرحلة لكم جميعا.
وهناك قدر زائد مبارك حين تبادر وتخدم وتحسن التدبير ولا تنتظر من يخدمك. كل هذا من قبيل المراعاة والاحترام. وكثيراً ما شكى الناس ممن إذا استيقظ أزعج النائمين، وإذا وصل البلد خرج وحده من غير إخطار او اعتبار، ومن لا يرضى برأي الأغلب إذا خالف هواه. نسب للشافعي: إذا المرءُ لا يرعاك إلا تكلفًا / فدَعهُ ولا تُكثر عليه التأسُّفا.
ثم تجيء الخصلة الثالثة والأخيرة من أخلاق الصحبة في السفر: التقبّل. تقبل ألا يسير كل شيء كما أردت وخططت، تقبل أن يتغير عليك الطقس والناس، تقبل تجربة الجديد وإعادة النظر في القديم، تقبل الملاحظات والرغبات المختلفة عنك، تقبل أن تتنازل عن جزء من كمال سعادتك ليسعد من معك سعادة مضاعفة، وختاماً، تقبل أن يكون الآخر مختلفاً عنك وتكون مختلفاً عنه والعيش راضياً بذلك.
كثيرة هي أخلاق الصحبة، لكنني اخترت منها تلك الثلاثة لتكون أس أخلاق السفر. اسمع ما قاله الصفاقسي عن الصحبة:
ورُبّ صديق خالص الوُدّ ناصح
وفيّ بما يُعطي من العهد شاكر
كريم بما في كفه وهو مُعدمٌ
عليم لدى الإشكال من خلف ساتر
وإن يخذُلنك الدّهرُ يوماًن فإنّهُ
على الدّهر نصرٌ فقد لناصر
وهناك ما يدخل في هذا الباب ويزيد في بهجة السفر من غير الأخلاق، كمدة السفر وعدد المسافرين ووجهتهم. أعرف من يرى أن الصحبة في السفر لا ينبغى أن تزيد على أربعة، وأنا أقبل الزيادة إلى سبعة في ظروف، لكنهم كرهوا الكثرة لأنها مدعاة للتفرق والتشظّي، وكرهوا القلة لأنها مدعاة للسآمة والتكرار. ولا معنى لتحديد السفر بمدة محددة لا يزيد عنها، فهذا مما يؤثر فيه الوجهة والغاية والموارد المتاحة، على أني أحبها بين عشرة أيام وأسبوعين إلا ما ندر.
قيل: لا تعرف الرجل إلا في ثلاث: المال، والسلطة، والسفر. ولذا استفتحت الكلام بحاجة الإنسان لجِمام العقل، وأختم بالتنبيه على أن هناك من يجهل طول كبته لأفكار ومشاعر وتجارب سيئة قديمة، ولا تجد أفكاره ومشاعره فرصة أسنح من السفر للطفو على السطح ومضايقة الوجدان والوعي. فتلاحظ منه أفكار وأفعال تراها أول مرة، كانت متوارية سنين طويلة، وتلمح في تصرفاته آثار هجران، أو حرمان، أو انتقاد وإقصاء، أو صدمات وإساءة معاملة وارتياب. وتجد نفسك فجأة أمام صاحبك الذي لم تهيئ نفسك للتعاطي معه بصورته الجديدة، يبحث عن الاعتراف والثناء، أو يتعمد الإساءة ودوام النقد، أو يشعر بحزن لا مبرر.

وهنا يتجلى حق الصحبة عليك بالمعاملة بالحسنى ومحاولة المراعاة والمساعدة، ثم أنت متروك لاتخاذ قرار تكرار السفر مستقبلاً. على أن جل الناس ليسوا كذلك وأكثرهم تفاجؤك بهجة الرحلة والترحال بصحبتهم وتطربك الآفاق الممتدة لمساحات التعرف عليهم والتعلم منهم.

وخلاصة القول أن من نحب السفر معهم هم من نحب العيش معهم، متفاهمون متنازلون متغافلون عن الزلة كرام لطفاء ناصحون ظريفون. وجمال السفر ليس بجمال الوجهة، بل جماله من جمال صحبته.

The post جمال السفر صحبته appeared first on فيصل العايد.

]]>
386
دراما الهجر https://faisalalayed.com/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25af%25d8%25b1%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25a7-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2587%25d8%25ac%25d8%25b1 Tue, 07 Oct 2025 18:37:38 +0000 https://faisalalayed.com/?p=368 ولّد هجر منصات التواصل انفعالات شديدة داخله، ليس يسمي فعلته صيامَ دوبامين، لكنها شيء يشبهه، ولها أثر ونتيجة وسبب لا تختلف عنه كثيراً. جرّب صيام الدوبامين مرةً قبل سنة لما سافر إلى جزيرة نائية وتخلى عن أجهزته الإلكترونية، أنقذته تلك التجربة من تبدّد وشرود وضعف نفسي امتدعليه طويلاً، هذا الهجر الطوعي الجديد لمنصات التواصل مستلهم …

The post دراما الهجر appeared first on فيصل العايد.

]]>

ولّد هجر منصات التواصل انفعالات شديدة داخله، ليس يسمي فعلته صيامَ دوبامين، لكنها شيء يشبهه، ولها أثر ونتيجة وسبب لا تختلف عنه كثيراً. جرّب صيام الدوبامين مرةً قبل سنة لما سافر إلى جزيرة نائية وتخلى عن أجهزته الإلكترونية، أنقذته تلك التجربة من تبدّد وشرود وضعف نفسي امتدعليه طويلاً، هذا الهجر الطوعي الجديد لمنصات التواصل مستلهم من تجربته القديمة ومدفوع برغبة شديدة لإعادة استدعاء لحظات بهجته وحبوره بنعمة الحياة. روحه مشتتة غائبة، ولو جلس وحيداً بلا إنترنت لعاش معها جحيماً لا يطاق، ولكن إذا كانت مشكلته روحية تتجاوز منصات التواصل فلماذا اكتفى بهجرها؟ لا يعلم، ولكنه متيقن أن منصات التواصل فاقمت الأعراض ونكأت مندمل الجراح، لا أحد يشتكي آثار اليوتيوب وقوقل، وربما لو أخبر مواليد الألفية الثالثة لضحكوا عليه ووصفوه بالمبالغة، كيف يمكن العيش من غير سناب وتويتر وتيك توك وأنستقرام.

يشعر بأن المحيط لم يستقبله كفنان ولم يعترف به كما يستحق. هذا النزاع الدائم بين الفنان ومحيطه والرغبة غير الملباة بتقدير أعماله والاحتفاء بها أطالعليه حالة الشك في جودة وأصالة ما يقدم، حتى هلكت روحه وانشغلت بنفسها وضمر إبداعه وفنه. منصات التواصل أتاحت لمحيطه إعلان انطباعه عن أعماله ومخاطبته مكاشفة، صحيح أنها انطباعات لحظية سريعة الورود والتلاشي إلا أنه يشعر بخيبة مهما كانت حقيقة تلك الانطباعات، لكونها أفقدته صفاءه الروحي، أصل فنه. والحقيقة وراء هجره نقمته على تلك الانطباعات اللحظية، وما يعنيه عددها القليل من كون فنه لا ينتشر ولا يحتفى به كما يجب. تكرار هذه النتيجة مهما قلب تفكيره يزيد نقمته ويكثّفها ويربيها يوما تلو يوم.

بعد أسبوع بدأ يشعر بتحسن، يلاحظ روحه ترمم نفسها داخله، لا تقلب فيالمزاج والعواطف، ولا ارتباك في الأفكار، ولا تحديث متكرر لصفحته الشخصية لعل متابع جديد يظهر ويبارك فنه. نبالغ في وصف لحظات هجرنا وننفعل بها دائرين حول أنفسنا مضخّمين عواطفنا، وتكفينا نظرة واحدة إلى الشخص الواقف أمامنا في المرآة لنعي الدراما التي يعيشها المغرور منغلقاً على نفسه.في اليوم الثامن أصبح ذهنه أكثر صفاءً والقضايا الرئيسة أحضر، والصوت داخله أوضح وأقوى، ليست ثقة زائدة بل قدرة على رؤية ما يريد بوضوح. ارتدّت إليه ذاته، وأصبح يرى حين ينظر، وينصت حين يسمع، ويقول حينيتكلم.

في خلوته تلك طفا سؤال على السطح بإلحاح، لماذا يريد الحصول على إعجابات كثيرة وإعادات نشر لفنه؟ ربما كانت تلك طريقته الوحيدة لمعرفة جودة إنتاجه، لكنه يعلم يقيناً أن ما لم تحتفِ به الناس أجود وأتلد مما احتفوا به. هل الجمال ما أجمعت الناس عليه أم أنه جميل بنفسه ولو استقبحوه؟

قرأ قول ابن المقفع: “على العاقل أن يجعل النَّاس طبقتين مُتباينَتين، ويلبس لهم لباسين مُختلفين، طبقة العامة: يلبس لهم لباس انقباضٍ وانحِجازٍ وتحفّظ في كلِّ كلمة، وطبقة الخاصة: يَخْلع عندهم لباس التشدّد، ويلبس لباس الأنسةِ واللُطف” واقتنع ألا فائدة من إخبار الناس كم يحب ذا الشيء وكم يكره ذاك، لا أحد يفعلها في المجالس الحقيقية بهذه الكثافة، وتويتر أشبه ما يكون بمجلس كبير. ولا فائدة البتة من قراءة أفكار ناقصة لإنسان آخر لا تمتّه به أي صلة حقيقية ولا تعنيه انطباعاته اللحظية وتمتماته التي يحدّث بها نفسه، وتذكر الذي كتب: “ما أراهُ هُرَاء، هذا العالَمُ يضجُ هُرَاءً.” وغيره فئام لا تنتهي من أشباهه وأشياعه ومن هو أحط منه ممن سيحشو رأسه بما لا فائدة ترجى منه.

يريد التوقف عن دوام الالتفات وانتظار استحسانهم والتفتيش عنهم في ذاته. التاريخ لم ولن يحفظ سوى متنبياً واحداً لا ثاني له، وجاحظاً واحداً لا ثاني له، فما كان عزاؤه إلا أن دعا نفسه للتشبه بالتوحيدي وشيخ المعرّة ومن قام مقامهم ممن لم يقدرهم أهل زمانهم حق قدرهم، وماتوا على فاقة وقلة جاه وخمول ذكر وفضل. عاش أيامه يقول بذلك ويعزّي نفسه بمن سبقه، ولم يفطن إلى خطئه إلا الساعة، فكما أنه لن يبلغ مبلغ سَلَفِه، فإنه لا يضمن جودة أعماله ابتداءً كي يموت مطمئن القلب قرير العين بحسن ما ترك وراءه. الكشف أنه لن يبلغ مبلغ هؤلاء ولا أولئك، لا أحد يشبهه، ولن يشبه أحداً ولو تكلّف وتسربل ووصل الليل بالنهار وهجر جميع منصات التواصل، بل من تمام صدقه لنفسه والرفق بها أن يقبل ويعلم أنه سيعيش من أوساط الناس ويموت من أوساطهم، يخوض مع الخائضين، فيلقى نصيبه من الخير لا مهرب منه ويركب نصيبه من الشر لا مهرب منه.
استطاع العودة إلى قراءة الإمتاع والمؤانسة بسبب انقطاعه وانعزاله، وقرأ ليالٍ أعجبته وأخريات لم تعجبه. إلا أنه وصل لنتيجة بعد انقضاء شهر مفادها أن شدة القرب والمبالغة في البعد؛ عَمَيَان. هذا يصدق على البصر فيما يرى، والقلب في تعامله مع الناس. لا ينبغي لك أن تبتعد ابتعاداً لا عودة ترجى بعده، ولا أن تقترب اقتراباً توشك أن تمتزج فيه بنفوسهم، فالقلوب تأبى ذلك بفطرتها ولو طلبته ونشدته.

يجب عليه الاعتراف بأنانيته، وهو أصدق انتقاد واجهه، رغم أن الفنان لا ملامة عليه ولا ملجأ له من الأنانية، فهي سر الإبداع ولولا اعتداد المرء بنفسه ورغبته في التعبير عنها، عن عواطفها وآمالها وأحزانها وأفكارها وسائر أغراضها ما كتب كاتب ولا نظم شاعر ولا رسم رسام ولا نحت نحات، ولا يفرق بين فنان وفنان إلا ذلك، ومع أن الأوائل لم يعرفوا لفظة الأنانية بهذا المعنى إلا أنهم متفقون على وجوب غرق المرء في ذاته قبل والانطلاق منها لفنه. لكن طبيعة منصات التواصل أزّت الناس إلى الحديث بصيغة المتكلم والإكثار من ذلك.وليس إلا من بني عصره، فهل هو أناني كما يتهم؟ إنه أناني بالقدر الذي تستدعيه الضرورة وتستوجبه الفطرة، يحق له أن يحب ويكره ويفعل ويدع ويرغب ويرهب، لكونه إنساناً لا روبوتاً، وخطؤه أنه أظهر ذلك بدل أن يلزم الصمت ويركز على عمله القادم. بهذه الفكرة شعر أن انقطاعه أتى بثماره فعاد للمنصات من جديد، جاهلاً أن انقطاعاً أطول وأعرم ينتظره عما قريب.

The post دراما الهجر appeared first on فيصل العايد.

]]>
368
نحن لسنا تنازلاتنا https://faisalalayed.com/%d9%86%d8%ad%d9%86-%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a7-%d8%aa%d9%86%d8%a7%d8%b2%d9%84%d8%a7%d8%aa%d9%86%d8%a7/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2586%25d8%25ad%25d9%2586-%25d9%2584%25d8%25b3%25d9%2586%25d8%25a7-%25d8%25aa%25d9%2586%25d8%25a7%25d8%25b2%25d9%2584%25d8%25a7%25d8%25aa%25d9%2586%25d8%25a7 Sat, 06 Sep 2025 12:10:19 +0000 https://faisalalayed.com/?p=342 مؤخراً قرأت قصة عائلة ملكية صينية تخلت عن عرشها طواعية -زمن الدول المتحاربة قبل توحيد الصين- لحقن دماء شعبها. تنازل صعب ومستحيل لبعضنا، فمن منا سيوافق على التخلي عن تمييز دمائه عن بقية البشر والاحتفاظ بحق سيادته عليهم بالولادة. الحقيقة أنه يمكن لنا التنازل عن أشياء كثيرة، أكثر بكثير مما تتصور وتظن أنك قادر عليه، …

The post نحن لسنا تنازلاتنا appeared first on فيصل العايد.

]]>

مؤخراً قرأت قصة عائلة ملكية صينية تخلت عن عرشها طواعية -زمن الدول المتحاربة قبل توحيد الصين- لحقن دماء شعبها. تنازل صعب ومستحيل لبعضنا، فمن منا سيوافق على التخلي عن تمييز دمائه عن بقية البشر والاحتفاظ بحق سيادته عليهم بالولادة. الحقيقة أنه يمكن لنا التنازل عن أشياء كثيرة، أكثر بكثير مما تتصور وتظن أنك قادر عليه، حتى الدين بوسع البشر التنازل عنه في ظروف قهرية لضمان عيشهم، لا شيء معصوم من التنازل عنه، الكرامة والشرف أيضا. وليس يهمنا الآن ما الذي تنازلنا عنه، ولا مسوغات تنازلاتنا أو محاولة تبريرها والاعتذار عنها. لدينا قدرة خارقة على ابتكار سردية لحياتنا نكون نحن أبطالها -ولو في دور الضحية-، قدرة فطرية قادرة على طمس دوافعنا القديمة وابتكار دوافع جديدة مكانها تشرعن لنا تنازلاتنا ضمن سرديتنا الخاصة والمتجددة، يعني أن دوافعك القديمة نفسها يتم إعادة صياغتها باستمرار وفقاً لتنازلاتك بمرور السنوات، اسأل عالم نفس تعرف صدق هذا. كل ما وددت الإشارة إليه أن كل شيء -كل تنازل- يفهم في سياقه وليس بمعزل عما حدث قبله وأثناءه وبعده. السياقات قادرة على دفعك للتنازل عن أشد ما تتمسك به. إذن من نحن إن كانت تنازلاتنا لا تعبر عن حقيقتنا؟ نحن دوافع تلك التنازلات، ومحاولة صمودنا أمام كل تنازل.

The post نحن لسنا تنازلاتنا appeared first on فيصل العايد.

]]>
342
مذكرات الرحلة الأوروبية السابعة https://faisalalayed.com/%d9%85%d8%b0%d9%83%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d8%25b0%25d9%2583%25d8%25b1%25d8%25a7%25d8%25aa-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b1%25d8%25ad%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25a3%25d9%2588%25d8%25b1%25d9%2588%25d8%25a8%25d9%258a%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b3%25d8%25a7%25d8%25a8%25d8%25b9%25d8%25a9 Fri, 11 Jul 2025 12:30:24 +0000 https://faisalalayed.com/?p=310 (١) بدأت هذه الرحلة بذهابي إلى المطار بسيارتي بدل أوبر، ومن يعرفني عن قرب يعلم أن بوسعي الآن تأمين موقف مجاني لسيارتي هناك وهذا من فضل الله علي، وأكبر فائدة من ذلك تكون وقت سفري كون اصطحاب سيارة يمنحك خيارات متعددة للوصول والمغادرة كما ترغب وتشاء متجاوزاً إزعاج الكدادين أو انتظار أوبر. المضحك أنني منحت …

The post مذكرات الرحلة الأوروبية السابعة appeared first on فيصل العايد.

]]>

(١)

بدأت هذه الرحلة بذهابي إلى المطار بسيارتي بدل أوبر، ومن يعرفني عن قرب يعلم أن بوسعي الآن تأمين موقف مجاني لسيارتي هناك وهذا من فضل الله علي، وأكبر فائدة من ذلك تكون وقت سفري كون اصطحاب سيارة يمنحك خيارات متعددة للوصول والمغادرة كما ترغب وتشاء متجاوزاً إزعاج الكدادين أو انتظار أوبر. المضحك أنني منحت الموقف لأخي -الذي سبقني مسافراً- ليستفيد منه وهذا ممكن، لكنني تفاجأت برفض بوابة المواقف دخول سيارتي للصالات الدولية لأن الموقف المحجوز باسمي مستغل بالفعل، ولم أكن أعلم أنه لا يحق لي سوى إيقاف سيارة واحدة، وبذلك استفدت لأول مرة من عادة التبكير إلى المطار، وتدبرت أمر السيارة بطريقة ما بعد أن عدت بها إلى المدينة في نهاية المطاف.

إن لم تخني الذاكرة ومعرفتي الجغرافية المتواضعة، فهذه رحلتي السابعة إلى قارة أوروبا. أولى الرحلات كانت أيام الجامعة إلى إيطاليا والدنمارك، ثم بريطانيا ولندن تحديداً، ثم المجر والنمسا والتشيك، ثم أسبانيا ومنطقة الأندلس، ثم اليونان الإغريقية، ثم البرتغال وبرشلونة، ثم رحلتي هذه إلى هولندا وريفها وبلجيكا وفرنسا. ويبقى لافتاً ترك ألمانيا وسويسرا هكذا مهملة من غير زيارة حتى الآن.

استغربت وقوف عناصر من الشرطة في جسر الطائرة بعد وصولها للتأكد من جوازات المسافرين قبل دخولهم المطار. ربما كان إجراءً استباقياً لرد من سافر سهواً من غير تأشيره. مررت بسلاسة ثم وقفت مع الناس أمام نافذة الجمارك وأجبت عن الأسئلة الاعتيادية: أسافر للسياحة مع أخي وصديق سألتقي بهم في المدينة، سأبقى ثلاثة أيام في أمستردام ثم أغادرها إلى بلجيكا. فأشارت لي بالدخول المرأة التي بدت راضية عن كلامي، وبذلك مشيت إلى أراضي الاتحاد الأوروبي بهدوء من غير جلبة أو ريبة، رغم أني نسيت ذكر بقائي في الريف الهولندي عدة أيام، وهذا لا يهمهم كما يبدو. خرجت من مطار أمستردام -المختلف والفريد عن كل مطار رأيته- وركبت مع سائق أوبر عربي مغربي، واستغربت من التزامه الصمت على غير عادة، كثير من سائقي أوبر العرب يثرثرون من اللحظة التي يرونك فيها للأسف، وهذا ليس سيئاً بل من دواعي الأخوة الحميدة، وعليك أن تعذرهم لعيشهم مغتربين عن مجتمعاتهم، لكن المزعج حين يتحدثون في مواضيع لا تريد التحدث عنها ولا يفهمون تلميحاتك لتجنبها، أو يسألونك أسئلة شخصية كثيرة، كمن يريد أن يتأكد من جدوى اختطافك.

ثم حططت متاعي في الغرفة المتواضعة، وخرجت للمدينة التي بدت -وبالتأكيد أعني وسطها- عشوائية فوضوية بعفوية جميلة. عشوائية يستحيل معرفة الاتجاهات فيها أو سلوك شارع مستقيم لعدم وجود ما يمتد أكثر من نصف كيلو، وكوني إنساناً سهل الضياع فذلك غير مريح البتة. لكن جمال الشوارع وكثرة الدراجات الهوائية وتعدد القناطير والقنوات المائية الجميلة وانتثار الزهور الملونة يعوض ذلك ويربو عليه، حتى أنك تفرح بالضياع هنا. وأشد ما فاجأني طول اليوم فيها، فقد وصلت المدينة عصراً ومشيت طويلاً وتناولت وجبة ولما تغرب الشمس بعد، فالغروب عندهم بعد العاشرة مساء!

(٢)

أمستردام مدينة فريدة جميلة ذات طابع خاص ساحر، تتميز بشبكة قنوات مائية تفوق ما في البندقية طولاً وقناطرٍ وجسور، ومنازلها مبنية فوق أعمدة خشبية -كون التربة تحتها رطبة منخفضة عن سطح البحر- لها واجهات ضيقة مضحكة لا تتناسب مع عمقها، وتنتشر في أرجاء المدينة الدراجات الهوائية وهي من الكثرة أن عددها يتجاوز سكان المدينة.

وربما وجدت فيها وأنت تمشي متجولاً بغبطة وحبور متجراً اسمه “كوفي شوب” وهذا ليس لبيع القهوة كما يبدو لبريء يزور المدينة أول مرة، بل هو متجر لبيع القنب أو الحشيش، استهلاكه والمتاجرة به قانونية عندهم كما لا يخفاك. والمدينة على كل حال معروفة بتنوعها الثقافي ففيها ما يتجاوز المئة جنسية عدا السياح ومعظم سكانها يتحدثون اللسان الإنجليزي بطلاقة مع الهولندية والأصغر سناً تحديداً.

كانت أمستردام في بداياتها قرية صغيرة لصيد الأسماك تقع على ضفاف نهر الأمستل نهايات القرن الثاني عشر الميلادي، ثم أصبحت فيما بعد واحدة من أهم الموانئ العالمية إبان عصر هولندا الذهبي (القرن السابع عشر). أما اسمها الحالي فهو مستمد من كلمة Amstelredamme (أمستليردام) بمعنى: سد على نهر الأمستل. وأول ذكر لهذا الاسم كان في وثيقة مؤرّخة بعام 1275م عندما أعفي السكان الذين بنوا جسراً مع سد -اسمه الآن الدام سكوير وهو أشهر ساحاتهم- على نهر الأمستل من دفع رسوم بناء الجسر من قِبل كونت هولندا فلوريس الخامس، ثم تحور الاسم إلى أمستردام وما زال قائماً حتى الآن.

وكان استقلال الهولنديين في القرن السادس عشر بعد ثورتهم على ملك إسبانيا لفرضه ضرائب جديدة على الهولنديين والاضطهاد الديني الذي تعرض له البروتستانت من قبل محاكم التفتيش الإسبانية. تعاظمت هذه الثورة إلى حرب الثمانين عاماً التي انتهت بالاستقلال الهولندي ممهدةً لعصر أمستردام الذهبي الذي أصبحت فيه المدينة أغنى مدن العالم وأبحرت فيه سفنها العسكرية والتجارية إلى بحر البلطيق وأمريكا الشمالية والبرازيل وأفريقيا وإندونيسيا والهند وسريلانكا مشكلة بذلك أساس شبكة التجارة العالمية الحديثة، ومن المعلوم دخول الألمان لهولندا في الحرب العالمية الثانية ولهذا قصة تطول وتبعات.

أقول أن أمستردام تحتضن في قلبها العديد من الأماكن التي تستحق الزيارة -مع شوارعها الودودة- مثل قنواتها المائية التاريخية ومتحفها الوطني الكبير “ريكز” ومتحف فان غوخ الذي لم أتمكن من زيارته لضرورة حجز تذكرة دخوله قبل الموعد بثلاثة أيام على الأقل، وهو ما لم يخطر على بالي، وما دفعني لترتيب حجوزات المزارات لبقية الرحلة مبكراً، فاستعضت عن متحف فان غوخ بمتحف ريكز الوطني ومتحف الفن المعاصر ووجدتهما فريدين يستحقان الزيارة، وركبت في رحلة قارب ممتعة ساحرة بين البنايات والجسور القديمة والشوارع المزينة بالدراجات والزهور، وكنا -جميع من في القارب- نصفق ونصيح لكل من نمر بهم من الناس، ومعنا مجموعة فتيات فرنسيات لم ينقطعن عن الثرثرة وكنّ مصدر  الإزعاج والصياح والعويل الأكبر، حتى أن الكابتن الشاب -ويليام- همس لنا في غفلة منهن أننا أكثر المجموعات إزعاجاً هذا اليوم. وهو شاب لطيف بالمناسبة، جلس يقود القارب ويحدثنا عن زيارته اليابان وجنوب أفريقيا ومصر وكوستا ريكا، وعدم رغبته بزيارة الصين وروسيا، واهتمامه بكرة القدم وتشجيع فريقي برشلونة وآياكس. وهو من شرح لنا سبب نحافة واجهة جميع المباني القديمة في وسط البلدة كنتيجة للضريبة القديمة التي اعتمدت على عرض واجهة المبنى وعدد النوافذ أحياناً فقام الناس يقتصدون فيهما.

ورغبت إحدى الفرنسيات -لما أفرطت بالشرب وصاحباتها- بالظفر بقبلة على خدها من ويليام في نهاية الرحلة، ولما رفض طلبها التفتت إلى أحدنا لعلها تحصل منه على ما منعها عنه وليام، ولكن هيهات، وربما كانت النسوة برفقتها قد تحدينها، من يدري فلسنا نفهم الفرنسية، الأكيد أنهن لم تكن بكامل قواهن العقلية ذلك الحين.

وحضرنا عرضاً كوميدياً بالإنجليزية “ستاند أب كوميدي” بدأ تمام العاشرة ليلاً، وهذا نادر الحدوث في البلاد غير الناطقة بالإنجليزية، وصدقاً أقول أن من جماليات هذه المدينة بقاؤها مستيقظة لوقت متأخر. لم تعجبني المتحدثة الأولى كما أعجبني وأضحكني المتحدث الثاني والذي كان يعمل في الصباح مرشداً سياحياً مما منح حديثه مزيجاً من التنوع والطرفة والدعابة، ثم أخذنا استراحة وعدنا مع المتحدث الثالث والأخير، ولا تحضرني أي نكاته الآن رغم ذكرى الضحك والأنس، وليس يقل مقدم العرض ومديره جودةً عن بقيتهم، وكان من أغرب ما كان أن أحد الحضور أمريكي ومعه خليلته الروسية، وهذا مضحك وساخر من غير نكتة، وكان من الحضور شاب مكسيكي يقول أنه أكثر الحضور تنوعاً عرقياً، فجده ياباني تزوج فتاة أندنوسية عندما هرب من اليابان إلى البرازيل وقت الحرب العالمية، وتعرف عليها لما كتب في الجريدة قبل سفره أنه يبحث عن زوجة فردت عليه بصورتها فتزوجها وهاجرا إلى البرازيل، ثم انجبا ولداً ذهب إلى المكسيك وتزوج بدوره، هو أبو المتحدث، أو هكذا فهمت القصة فهي كما تلاحظ شديدة التشعب والتشتت وهو ما منح مقدم العرض مساحة كافية لابتكار نكات مضحكة عن هذا الخليط العرقي.

إذن فقد وجدت أمستردام مدينةً ظريفة، وعلى شدة استعدادي النفسي والجسدي ورغبتي بركوب دراجة هوائية والتمتع بجولة في أجمل مدينة مهيأة لركوب مسترخٍ طويل وفرجة مبهجة، إلا أن تكرار هطول المطر المتقطع وشدة الرياح وبرودة الجو -رغم أنه شهر صيف- دفعوني للتخلي عن الفكرة من غير تردد. ولو سألتني لقلت أنني زرت المدينة في الشتاء لا الصيف، فقد صادفنا من البرودة ما دفعنا للتكثر من الملابس وشراء ما ينقصنا منها وصرف النظر عن الخروج بتيشيرت صيفي وحسب. مؤكدٌ أن أمستردام بأزقتها الحنونة تستحق زيارة ثانية، وما زاد جمالها أنني لم أر فيها سوى مشرداً أو اثنين، وبذلك تكون أقل المدن الأوروبية مشردين عندي، وتأكد هذا التصور لما زرت بروكسل بعدها.

يشكل الإسلام ما يتجاوز عشر سكانها بقليل، وقد زارها قديماً ووصفها الرحالة الموريسكي أحمد بن قاسم الحجري في رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب، وذكر اسمها بالعربية (مسترضام): “ولما أن بلغنا إلى مدينة مسترضام، رأيت العجب في حسن بنيانها، ونقائها، وكثرة مخلوقاتها، تكاد أن تكون في العمارة مثل مدينة بريش بفرنجة (باريس) ولم تكن في الدنيا مدينة بكثرة السفن مثلها. قيل أن في جميع سفنها، صغاراً وكباراً، ستة آلاف سفينة. وأما الديار، كل واحدة مرسومة، ومزوقة من أعلاها إلى أسفلها بالألوان العجيبة. ولن تشبه واحدة أخرى في صنع رقمها. والأزقة كلها بالأحجار المنبتة. والتقيت بمن رأى بلاد المشرق، وبلاد الصقالبة، ورومة، وغيرها من بلاد الدنيا. قال لي إنه ما رأى مثلها في الزين والملاحة”

(٣)

منطقة زانسي شانس Zaanse Schans الريفية الهولندية تشمخ كمتحف مفتوح شمال أمستردام، وتعد من أقرب وأهم المعالم التي تعكس الحياة الريفية والصناعية خلال القرنين السابع والثامن عشر الميلادية، وألطف ما ستراه هناك مجموعة من الطواحين الهوائية الأصلية التي ما زال بعضها يعمل حتى الساعة وبجوارها منازل خشبية تقليدية مطلية بالأخضر وجسور جميلة تمتد فوق قنوات مائية صغيرة. وجدنا كذلك بعض الورش الحرفية ومصنعاً ومزرعةً للجبن تذوقنا فيها من أنواع ونكهات الجبن ما لا يخطر على بال. قرية حنونة تجمع بين التاريخ والطبيعة وكأنها لا تنتمي لهذا العصر.

ولم نطل فيها المكث بل واصلنا مسيرنا نحو شمال شرق هولندا حيث نزلنا في جيثورن Giethoorn المسماة “فينيسيا الشمال” وسر اللقب توشحها بقنوات مائية تحل محل الشوارع تتحرك القوارب الصغيرة فيها بين بيوت ذات أسقف خشبية وقشية وقناطر. بيوتها مبنية على جزر صغيرة متصلة وسط طبيعة خضراء وأشجار. حياتهم اليومية تدور حول الماء والبحيرة بلا سيارات وسط القرية، والتنقل يكون بالقوارب الصغيرة أو الأقدام. يسمون قواربهم الكهربائية الصغيرة  ”قوارب الهمس” لصمت محركاتها وهي تنساب بسلاسة بين البيوت، كانت تجربة ركوب تلك القوارب رومانسية هادئة شاعرية.

قضينا في جيثورن الوادعة يومين وسط الريف، كانا في غاية اللطف والرخاء والدعة، ركبنا فيهما الدراجة الهوائية متجولين في القرية فوق الجسور ومع القنوات وحول القرية عبر شوارع تحيطها الحقول، وطبخنا عشاءنا في الليلة الأخيرة وهو ما زاد مكثنا أنساً وبهجة، ولعبنا بالورق رغم كوننا ثلاثة رجال، وجلسنا ننظر الغروب وننتظره أمام إطلالتنا الآسرة على البحيرة والبط والوز يدور حولنا طوال الوقت بتبختر وثقة، وكان الجو عليلاً بارداً كما كان في أمستردام، رطباً أحياناً.

ورغم أنك -بقراءتك لوصفي نفسي- تعلم ولعي بالحضارة والإنسان والثقافة والمدن وكل ما مت للإنسان بصلة كالفن والرياضة والتاريخ، وقلة خروجي إلى الريف وتمتعي به لعدم سعيي إلى ذلك في كثير من الأحيان، إلا أنني أستطيع القول بجزم أن ريف هولندا من الأجمل الأرياف وألطفها، وربما كان خياراً مقدّماً للهروب من صخب المدن وتعبها وقلقها، ولعل مزيج الجمال الطبيعي والهدوء والعزلة الذي تجده هنا هو خير معبن ومهيّء للتأمل والتفكير الطويل والكتابة.

(٤)

منذ هذه اللحظة سأكون وحدي، بعد أن ودعني أخي وصديقنا مغادرين أوروبا مبكراً كما جاؤوها مبكراً، ولكن ما الذي يعنيه أن تكون وحيداً؟ غريباً في مكان بعيد عن وطنك، تتجول، في صحبة واكتظاظ من الناس يحجبهم عنك حجاب من العزلة الثقافية والروحية. الترحال وحيداً أريح وأشرح كون ممشاك ومنامك ومشربك وطعامك ومدخلك ومخرجك ومزاراتك كلها تأتي كيفما تشاء أنت وحدك، لا كما يشاء لك غيرك. نعم، الحرية لا تقدر بثمن، وربما وجب على المرء تجربة العيش حرّاً بعض الوقت حتى يعرف نفسه حق المعرفة. ماذا عن منغصات السفر وحدك؟ هنا العزلة والوحدة بالطبع واستعدادات الناس للعيش معها وتقبلها، لطالما كانت هذه الأحوال تدفعني للكتابة، وهنا أيضا خلودك إلى نفسك وتفضيلاتك وعاداتك وممارساتك مهما كانت، فيما يشبه الخذلان. أقصد أنك ستظل تأكل البيتزا ولا غيرها لو كانت أكلتك المفضلة وقس على ذلك كل شيء وكل اختيار ممكن، الصحبة هم من يدفعوننا لتجربة اختيارات لم تخطر لنا على بال ولم نعرفها، الإنسان يعيش على ما تربى وشبّ عليه قليلاً ما يفارقهما في شؤون حياته كلها. وهكذا لكل من طريقتي السفر محاسنها ومنغصاتها، وكلٌ أدرى بما يصلح له وما يحسن به، والعاقل يلبس الثوب الذي على مقاسه لا ما يمليه الناس عليه.

(٥)

بروكسل، عاصمة بلجيكا ومقر الاتحاد الأوروبي، تجمع في حضنها التاريخ والحداثة في مشهد حضري متجانس، ليست عندي أجمل من أمستردام، وبالتأكيد بدت لي للوهلة الأولى أفقر منها، ووجدتها تشبه مدينتي براغ وأثينا كثيراً. وسط بروكسل يتمركز حول ساحة غراند بلاس وهي واحدة من أجمل الساحات في أوروبا، تحيط بها مبانٍ مزخرفة من القرن السابع عشر، وتتفرع منها أزقة ضيقة مليئة بالمقاهي والمتاجر التقليدية ومحلات الشوكولاتة الفاخرة، تزين جدران تلك الأزقة والشوارع رسومات قصص مصورة تعبيرًا عن حب المدينة للرسوم المتحركة والكوميكس.

المشي في المدينة يكشف تداخلاً بين المباني العريقة والأسواق الحديثة، مع تنوع لغوي واضح بين الفرنسية والهولندية وذلك مظهر من مظاهر هوية بلجيكا المركبة. ثقافة البروكسليين تميل إلى العملية والبساطة، ويعرفون بروح الدعابة الساخرة وحبهم للفنون الحياة اليومية فيها هادئة نسبيًا مقارنة بعواصم أوروبية أخرى. ما يميز بروكسل عن بقية العواصم الأوروبية هو طابعها المختلط: ليست مزدحمة وصاخبة مثل باريس أو لندن، لكنها أيضًا ليست مدينة صغيرة. كان الجو مشمساً وقت تجولي في أزقتها والسماء صافية كصحفة بيضاء ليس فيها إلا الشمس زيتونة.

ومن أغرب ما شاهدت ورأيت تمثال شهير اسمه مانيكن بيس وهو رمز شهير لبلجيكا يعكس روح المدينة المرحة والفكاهية والغير متحفظة ربما. يصور التمثال صبياً صغيراً عارياً يتبول في نافورة، وهذا والله من عجائب الدنيا والناس، كيف يتخذ قوماً هذا التمثال نصباً لهم يعبر عنهم، معلماً سياحياً ورمزاً ثقافياً فلكلورياً. يعود تاريخ هذا التمثال إلى القرن السابع عشر، وقد أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة، يزينونه ويلبسونه في كل مناسبة ملابسَ مختلفة تحاكي التقاليد والاحتفالات المحلية. زيارة التمثال الذي تجده صدفة في تقاطع شارعين يوحي لك بطرافة وضعه عرضاً أمام الناس ويملؤك تعجباً وضحكاً من فجاجة صاحب الفكرة وقلة حياء أهل البلدة. والغريب الساخر أنني وجدت عرضاً في تجولي أختاً للصبي تمثالاً تفعل فعلته كذلك جالسةً في زقاق ضيق معزول لحساسية المنظر ربما ويزورها السياح للفرجة ولو لم أصطدم به فجأة ما عرفت عنه، ويقال أنه هناك كلب كذلك له تمثال لم أشاهده، وهذا والله من عجائب المشاهد والأفعال.

هناك من أخبرني أنهم أول من بدأ صناعة الرسوم المتحركة في أوروبا ولذا حاولت الذهاب إلى متحف الكوميكس هناك، ولكن داهمتني مجموعات من الأطفال كثيرة، فصرفت النظر عن دخول المتحف لما تيقنت أنه أقرب للرسوم المتحركة الطفولية وأفلام الكرتون منه إلى الكوميكس حقيقةً.

وزرت متحف الشوكولاتة في بروكسل Choco-Story وانخرطت في تجربة عملية لصناعة الشوكولاتة. تبدأ الجولة في المتحف بتعريف بسيط عن تاريخ الكاكاو وكيف وصلت الشوكولاتة إلى أوروبا. لكن الجزء الأهم هو ورشة الشوكولاتة، حيث يصنع الزائر قطع شوكولاتة خاصة به بإشراف خبراء، مع شرح للخطوات من التذويب حتى التزيين والتغلييف. تجربة لطيفة وهادئة تتيح لك التعرف على الحرفة وأكل الشوكلاته اللذيذة وصناعة نكهاتك الخاصة، وجميل مشاهدتك للأطفال الذي حضروا بصحبة أبائهم وانضموا لمجموعتك الصغيرة.

ثم ركبت أظرف قطار إلى باريس جلس فيه أمامي صبي صغير -كثير اللعب والحركة والكلام- مع أمه فأحببت ظرافته ومرحه المستمر وتعبه ونومه، وقضيت بعض الوقت أطالع فيلماً رائعاً عن مرافعة قانونية بين طالبين يحاولان الإجابة عن سؤال مشكل: هل الدولة هي المسؤولة الوحيدة عن الوضع الراهن في الضواحي الفرنسية؟ ومن هذا السؤال وحواباته يتجلى الصراع الطبقي بكل وضوح لما تولت طالبة بيضاء الدفاع عن الأقليات ولوم الدولة وتولى ولد أسود الدفاع عن الدولة ولوم الأقليات، ويالها من مفارقة. المناظرة ليست جدالاً فكرياً وطبقياً فحسب، بل صراع حقيقي بين مركز المدينة وهامشه، بين الامتيازات والحرمان، بين خيارات الحياة والصراع من أجل العيش الكريم. تقول الفتاة: “السؤال من هي الدولة؟ الدولة ليست الشعب. الدولة الاشخاص الذي يحكومننا، وغالبا ما يكونون من البيض الاثرياء” فيرد عليها الولد: “الشعب هو من انتخب الطبقة الحاكمة، فإذا كانت الدولة ملامة، فالشعب كذلك” ثم تقول لاحقاً: “نظامنا الديمقراطي ليس سوى تنكّر، القانون والمراسيم ليست سوى بداية المشكلة، الدولة ليست الشعب فهم لم يتخذوا قراراً حول السياسة الداخلية أو الخارجية منذ وقت طويل” ليختم الولد مرافعته الملحمية: “لن أترك للدولة اتخاذ القرار عني، أنا من أختار أن أكون ضحيةً أو جندياً!” ويالها من مقدمة ملحمية لدخولي الأول إليك يا باريس!

(٦)

طيب، وصلت المطار أخيراً، بعد تعجيل عودتي يومين عن العودة المجدولة، وإلغاء ما أمكن إلغاؤه من حجوزات، الآن أشعر براحة أكبر رغم اقتصار نومي البارحة على ثلاث ساعات لا غير، وربما يمكنني كتابة بعض الكلمات التي تلخص ما حدث في يومين منذ وصولي باريس حتى مغادرتها الآن.

لما دخلت باريس وجدتها كبيرة يستحيل الإحاطة بها من زيارة واحدة، ويستحيل التجول فيها مشياً بالتأكيد، ومن حسن التدبير وحسن الصحبة أن صاحبي لما فارقاني نصحاني بخطة مقترحة لقضاء أيامي الأربعة هنا، وهيأت بمشورتهم جميع حجوزاتي ومنها أذكر متحف اللوفر وقصر فاراساي والأوبرا وعرض كوميدي وورشة عمل لصناعة العطر الخاص بي وزيارة برج إيفل وغيره، وقد فرقت أيام مكثي على نصفين أولهما في أفضل هوستل وجدته في باريس (اطلع على مذكرات البرتغال) وآخرهما في فندق جيد بقرب الشانزليزيه.

فما كان لما وصلت غير قصدي للهوستل وترك أمتعتي في غرفة صغيرة هناك يتشاركها أربعة رجال، لم أجد منهم أحداً كما هو متوقع، والسرير الرابع خاوي تماماً. ثم نزلت ومشيت عشرين دقيقة في حي جميل شمال نهر السين وشرق اللوفر اسمه مارسيّا أظن، ولم أفلح بدخول متحف أغلق أبوابه مبكراً، فذهبت أسترخي في مقهى قريب جميل قهوته رائعة، وتعجبت أن التبريد والتكييف معطل عندهم في هذا اليوم الحار دون غيره، ونعم كان هذا اليوم الأحر في الأسبوع، طلبت قهوة باردة وجلست عندهم متعباً من المشي، ويبدو أنني أطلت المكث فما غادرت إلا مع إغلاق المقهى. حينها بدأت أشعر بدوار غريب كمن يوشك أن يغشى عليه فتراه يمشي والأرض تدور به، بدأت أفكر سريعا باحتمالات مختلفة، ربما يكون تسمماً من نوع ما لكني لا أدري فلم يسبق لي التسمم ولا أعرف أنه يسبب الدوار، ربما كان انخفاض سكر لكنني أكلت آيسكريم بلا فائدة، وتكرر الأمر بعد تناولي وجبة قبل المغيب فالأقرب أن سكري مرتفع لا منخفض، إذن هو بالتأكيد انخفاض ضغط ويجب علي تناول ملح بسرعة. وقفت بشكل غريب أمام مطعم لما تكرر الأمر وسكني بعيد لا يمكن وصوله بسرعة، ولا أدري لماذا لم يخطر على بالي الاتجاه إلى صيدلية أو مستوصف، كان الوقت يداهمني فدخلت المطعم وتحليت بوقاحة طلب حفنة من الملح بشكل عاجل من غير جلبة، وكانت النادلة من اللطف أنها لم تسأل عن شيء، فناولتني حفنة من ملح الطعام ابتلعتها وحاولت مواصلة المشي، ولم أبرح أن توقفت عند أقرب تقاطع وطلبت أوبر فالمشي لم يعد ممكناً بحالتي هذه، ووصلت النزل أخيراً وأنا متعب.

كانت الساعة التاسعة ربما والشمس لم تغب بعد. ولم أخبر أحداً حتى اللحظة فراسلت شخصين أحدهما أخي وأخبرتهما بما أشعر به وما يجب فعله، أخبرني أحدهما أنها أعراض ضربة شمس أو إجهاد حراري.

الآن فهمت ما يجري، وبدا إحساسي بحرارة جسمي التي أخذت ترتفع مفهوماً في هذا السياق. لم أشرب ما يكفي من المياه والسوائل هذا اليوم، وغامرت بتنقلات كثيرة في بروكسل صباحا وباريس عصراً معتمداً على قدمي فقط تحت وضح النهار والشمس الباهرة، كان أحر يومين في سفرتي كاملة هما البارحة في بروكسل واليوم في باريس، اختيارات كثيرة قمت بها ولم أراعي حرارة الجو، والنهار هنا طويل للغاية فالتعرض للشمس طويل المدة، حتى في القطار أتذكر شعوري بالحرارة رغم أنه مكيف، هنا تمنيت عودة أيام أمستردام الرطبة الباردة. قررت إيقاف كل شيء والخلود للراحة، لم أتمكن من التعرض لدش بارد كوني شككت في قدرتي على الوقوف هكذا، لكنني رطبت جسمي واسترخيت في مكاني بانتظار دخول أحدهم للغرفة المشتركة.

طبعاً، وهذا في غاية الطرافة، تزامن كل ذلك مع قصف عنيف وتراشق بالصواريخ والتهديد بنسف معامل نووية بين اليهود وإيران، ولا أدري لم يحدث هذا لي في كل مرة أسافر، أعني نشوب حرب خطيرة وأحداث سياسية حرجة في غيابي عن وطني، سم ما شئت من تلك الأحداث في السنوات الأخيرة: سقوط بشار؟ كنت مسافراً. حرب أوكرانيا؟ كنت مسافراً. حرب غزة؟ كنت مسافراً. والآن هذا التراشق بالصواريخ. راسلتني أمي تطمئن وتستفسر عن رغبتي بتعجيل عودتي نظراً لتفاقم الأوضاع في المنطقة. وحدث أن عجلت عودتي نعم. لكنني لم أخبرها أنني كنت متعباً وبقيت يوماً ونصف في النزل لا أغادره. لا تخبرها بذلك.

حاولت بطبيعة الحال إلغاء ما يمكن إلغاؤه من حجوزات، وطابت النفس من استكشاف باريس الكبيرة تحت هذه الشمس الحارة، وعسى أن أعود يوماً ما، فما زلت أود زيارة اللوفر وسواه من مزارات تمنيت لو أرجأ أخي زيارتها حتى نراها معاً بدل أن يسبقني إليها.

(٧)

المضحك أن الهوستل نفسه كانت غرفه من غير تكييف وتبريد، وهنا شتمت في نفسي كل من قرر الاستغناء عن التكييف في أوروبا لأنها كثيرة المطر والثلج شديدة البرد في الشتاء. فصرت إذا تعبت من الجلوس أصعد إلى الغرفة أستلقي، وإذا نشطت أنزل إلى المطعم والبهو الكبير للتبرد.

وكان أول من دخل علي -قبيل منتصف الليل- من نزلاء الغرفة رادولف، مكسيكي يكبرني ببضعة أعوام ولم نتحدث كثيراً غير تعارف سريع، بعدها أخبرته بقصتي وطلبت منه تفقدي في الصباح، وجاء في منتصف الليل عجوزٌ بدا سكراناً أو خرفاً لا أدري، لكنه نام مباشرة بعد أن استحم وأوشك على التعري أمامنا، ثم تكرم علينا قبيل الفجر وشرفنا بدخوله المتأخر الميمون شابٌ صغير جامعي آسيوي -كما حكمت من منظره في ظلام الليل ونعاسه- ونام مباشرة، ثم خرج بأمتعته من غير وداع ونحن نيام في السابعة، فلم نسمع صوته ولا نعرف شيئاً عنه، ولاحظت كل ذلك لأنني سريع الانتباه من نومي لأدنى حركة وصوت مع الأسف، ولما تركنا النافذة مفتوحة للتهوية والتبريد فكثيراً ما استيقظت من صوت سيارة خاطفة أو دراجة أو صرخة بعيدة في الشارع أو عويل حفلة متأخرة، ونحن في الطابق الخامس فتخيل.

ولم يأتي ضحى اليوم التالي -والضحى بمثابة الظهيرة عندهم لطول النهار- حتى غادر جميع من نام معي وبقيت وحدي، ثم جاء أول نزيل جديد لليوم الثاني، وهو أظرف وألطف من قابلت هنا وأكثر من حدثت، رجل خمسيني ملتحٍ أشيب أمريكي-هندي، بريطاني الأصل من طرف أبيه، بينما أصوله من أمه أمريكية قديمة فهو هندي حقيقي، أو من بقايا هنود أمريكا الأوائل، ولا أدري لماذا يسمون أهل أمريكا القدماء هنوداً حتى الآن بدل اختراع اسم أقل ارتباكاً. انتظر حتى تسمع هذه المفاجأة، لقد كان الرجل مسلماً، وكم هذا غريب. تعرف على الأسلام قبل ثلاثين سنة، قبل ولادتي، بعد أن عاقر الخمر مراهقاً وعاشر النساء وفعل ما فعل، ثم أدبرت الدنيا في وجهه وسحبت رخصة القيادة منه، لقيادته السيارة سكرانا، ثم كررها فسجن، ونصحه أحد معارفه -ولم يكن الناصح مسلماً وهذا من العجائب- بأن يتعرف على الإسلام، فأسلم بعد حين. ودارت الدنيا دورتها، فعاش في الرياض سنوات، وعاد بعدها لأمريكا كي يعمل في مجال إبداعي. له ثلاثة أبناء أحدهم قريب من عمري. اسم هذا الرجل مصطفى هورتن، وأعطيته تمراً مما كنت أحمل معي فرد بأنه يعرف “السكري” فضحكنا لذلك، وتواصينا على اللقاء في أمريكا أو الرياض حين تسنح الفرصة.

وجاء بعدها شخصين إضافيين للغرفة، وبذلك صرت قد نمت في هذه الغرفة بمعية ستة أشخاص مختلفين في يومين. وربما لم تتح لي تنقلاتي الكثيرة تعلم كلمات جديدة، فقد واجهت اللسان الهولندي والألماني والفرنسي في ظرف عشرة أيام ويصعب علي لساني مواكبة ذلك.

تعلمت من كل ما حدث لي في الأيام الأخيرة أن الحياة لا تسير كما نريد، ولا تسير كما نخطط له، التكيف والتقبل والتغيير والانفتاح على الاحتمالات المختلفة مفاهيم ينبغي علينا اعتناقها وتطبيقها أو على الأقل تأملها، ومن النضج اتخاذ قرار التخلي عن شيء نريده بشدة، مهما كانت عرامة الرغبة، إنه لا يناسبنا أو ليس الوقت الآن مناسباً له، هذا لا يعني أن الحياة فقدت مداها ومعناها كوننا لم نحقق رغبة من الرغبات. لا أقول عش في وهم انتظار اللحظة المناسبة، بل أقول أنه لا مانع من التخلي والرحيل والتوقف عندما تعرف أنك بذلت كل ما في وسعك، لن تدور الشمس والقمر من أجلك، ولا تملك إيقاف تعاقب الليل والنهار. ذهبت إلى باريس وعدت متخلياً عنها.

*عدت إلى منزلي بالسلامة، وطالت علي حالة الدوار هذه لأكثر من أسبوع، وراجعت المستشفى غير مرة، طمأنوني أنها لم تكن حالة انخفاض ضغط وربما ليست ضربة شمس، بل شيء جديد لم أسمع به من قبل هو “التهاب عصب التوازن” في الأذن الداخلية ويسبب دواراً وخللاً في الاتزان، سببه فيروس، ويتحسن بالراحة الطويلة خلال أيام والابتعاد عما يبتعد عنه المصاب بنزلة برد. والحمد لله على العافية.

تمت

The post مذكرات الرحلة الأوروبية السابعة appeared first on فيصل العايد.

]]>
310
النحلة التي قلدت هاتف العملة https://faisalalayed.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d9%82%d9%84%d8%af%d8%aa-%d9%87%d8%a7%d8%aa%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84%d8%a9/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2586%25d8%25ad%25d9%2584%25d8%25a9-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25aa%25d9%258a-%25d9%2582%25d9%2584%25d8%25af%25d8%25aa-%25d9%2587%25d8%25a7%25d8%25aa%25d9%2581-%25d8%25a7%25d9%2584%25d8%25b9%25d9%2585%25d9%2584%25d8%25a9 Sat, 14 Dec 2024 20:50:20 +0000 https://faisalalayed.com/?p=304 الكاتب حشرة. آسف على صفاقتي، ولكني موقن بأن كل كاتب لا يعدو أن يكون حشرة صغيرة في هذا العالم الكبير، حشرة تصدر طنيناً مزعجاً أحياناً، وجميلة كفراشة تسر الناظرين أحياناً، وتتغذى على ضحيتها وتؤذيها كباعضوة أو تقرصها كنملة أحياناً، وتنتج عسلاً يشفي الناس ويطعمهم كنحلة أحياناً، وتمنحهم حريراً يلبسونه كدودة أحياناً، ويسلطها الله على المتجبرين …

The post النحلة التي قلدت هاتف العملة appeared first on فيصل العايد.

]]>

الكاتب حشرة. آسف على صفاقتي، ولكني موقن بأن كل كاتب لا يعدو أن يكون حشرة صغيرة في هذا العالم الكبير، حشرة تصدر طنيناً مزعجاً أحياناً، وجميلة كفراشة تسر الناظرين أحياناً، وتتغذى على ضحيتها وتؤذيها كباعضوة أو تقرصها كنملة أحياناً، وتنتج عسلاً يشفي الناس ويطعمهم كنحلة أحياناً، وتمنحهم حريراً يلبسونه كدودة أحياناً، ويسلطها الله على المتجبرين من خلقه كالنمرود أحياناً. حشرة لطيفة أو قبيحة، يسهل سحقها في أي وقت، ولكن موتها بعد أداء مهمتها هو أعظم ما قد تفعله في حياتها القصيرة.

لو خيّرتك بين ثوبين تلبسهما -أخضر وأزرق- فلن تمضي نصف دقيقة إلا وقد لبست أحدهما، ولو خيّرتك بين عشرة ألوان لاستغرقت وقتاً أطول وربما جربت ارتداء أكثر من ثوب قبل الجزم بقرار، ولو زدت عليك هذه العشرة ثياب عشرةً أخرى لبدأت بالانزعاج من كثرتها، ماذا لو جعلناها مئةَ ثوب؟ ألفَ ثوب؟ ثياباً لا عدّ لها؟ ولا يمكنك اختيار غير ثوبٍ واحد. لعلك ستيأس من اختيار أفضل ثوب من بينها. هذه هي مشكلتنا. لانهائية الخيارات وتعددية أشكالنا المستقبلية ومآلاتنا المحتملة.

أظن جميع الحشرات سعيدة، لا أعلم ذلك يقيناً فلست نبي الله سليمان، ولكن لنأخذ النحلة كمثال سعيد لا تتقزز منه الناس عادةً ولا كراهية تجاهه. النحلة ليست سعيدة لكونها تنتج العسل أو تتجول بين الزهور طوال النهار، بل سعادتها لأنها لا تعرف حياة غير حياتها ولا تشك أبداً بأنها تفعل ما ينبغي عليها فعله. ماذا عنك؟ كم مرة شككت بأن الحياة التي تعيشها ليست هي الحياة التي خلقت لها؟ كم مرة شككت بأن قراراً اتخذته في ماضيك أو اتخذه أحدهم نيابةً عنك دفعك للمسير باتجاه لا ترغب به؟ يبدأ الواحد منا حياته تدفعه رغبة مثالية في الدفاع عن المظلومين، فيريد أن يكون محامياً ويسعى للحصول على شهادة القانون، لكنه ما يلبث أن يتعرف على شؤون الصفقات العقارية عبر معارفه من المحامين، فيصبح بعد مدة وسيطاً عقارياً ليكسب بعض المال. وفجأةً تجده من المهتمين بتطوير حلول تقنية لمشاكل العقار الذي احتدّت فيه المنافسة وشح العرض وارتفع الطلب، وقبل أن تحزر خطوته التالية تجده قد أصبح “إنتربونور” وذهب يتحدث بكلمات لا تفهمها ومشاريع “جوينت فنتشر” يزعم تنفيذها في المستقبل القريب ويخطط لها، أو يحاول تعلم لغة برمجية ليصبح خبير “بايثون” ويضع له بصمةً في مكانٍ ما أو يساهم في تقديم تطبيق ناجح للناس. وهكذا تمضي به الحياة، تركله ويركلها، تصارعه ويصارعها. ولا أحد يدري أين ذهب ذاك الذي سيدافع عن المظلومين ومتى فقدناه في الطريق إلى هنا. الفكرة التي تعيشها الآن هي أهم فكرة؛ لأنها حقيقتك الراهنة، وإما أنك تريد استمرارها وتعمل على ذلك، أو تريد تحسينها وتعمل على ذلك. لا بأس أن تتغير، تتبدل، تتجد، أن تعيد مراجعة خياراتك، هذه نعمة الله عليك أيها الإنسان، الوعي أو الإرادة، والقدرة على الاختيار. أنت لستَ بعوضةً لا قَدَرَ لها إلا امتصاص الدماء. بل إنساناً يمكن أن يكون ما يريد أن يكونه. ولكن أرجوك، حين تختار شيئاً تشبث به، ولا تفلته من يدك، توقف عن التحديق في ماضيك أو التطلع لمآلك، توقف عن الالتفات إليهم ماذا يفعلون وماذا يظنون بك. عش كأشرس حشرة تعرفها، وانذر نفسك للفكرة التي تعيشها الآن، وتذكر أن الثوب ثوبك ما دمت مختاراً له، ولو خلعته عنك بعض الوقت.

لدي صديقٌ مخلص في النصيحة استودعته أحلامي، وكلما ماج بي البحر وشط بي البر وبعدت الشقة والمسألة، واستفرغت الوسع، وضاقت بي الحيل، ونسيت من أكون وماذا أريد=أبِقتُ إليه وسألت الاتباع على أن يعلمني مما علّم رشدا. وكان ما كان، وأتيت إليه فرحاً بأني صرت أبيع قلمي، وأهب نصوصاً مجانية أصيد بها العملاء كما صاد الشعراء قبلي كل خليفة. فوبخني، واتهم إخلاصي للكتابة، وأبان عن سوء صنيعي، وأن ما كنت أطلبه غير ذلك، إن لم يكن أكبر منه، لكنني نسيت ما أريد. وكنت قبلها بسنة وأشهر أطوف من مكان إلى مكان، أعرض خدماتي بثمن بخس، وجميل الأقدار دفعني لصرف النظر والعودة للركض في الحياة بعيداً عن سوق الأقلام والضمائر.

هذا الذي حدث لي هو عينه ما حدث للنحلة التي حاولت أن تصير هاتف عملة، فقلدته وفشلت، لأن العسل لا يُطلب بالنقود ولا يخرج لأن هناك من هو واقفٌ يريده، عسلُ النحلة مصيرها ووظيفتها وغايتها في هذه الحياة، النحلة التي لا تخرج العسل كالبقرة غير الحلوب، الكل من حولها يتساءل إن كانت بقرةً حقيقية. هاتف العملة أداة تحت الطلب، مركونة في زاوية الشارع، مهجورة معظم الوقت، نستخدمها عند الحاجة، لكنها لا تستحق ثناءً ولا تقديراً، بينما النحلة مخلوقٌ كريم، لا يقليق بها إلا الشكر والحب والامتنان، وانتظار إنتاجها للعسل مرة بعد مرة، وعالمنا سيكون بشعاً مُرّاً من غيرها.

١٤ جمادى الثاني ١٤٤٦

The post النحلة التي قلدت هاتف العملة appeared first on فيصل العايد.

]]>
304
سعادات https://faisalalayed.com/%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%aa/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25b3%25d8%25b9%25d8%25a7%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25aa Sat, 29 Jul 2023 21:30:56 +0000 https://faisalalayed.com/?p=293 سعادات البدايات مرةً حدث لي شيء فريد، اكتسى فيه القلب وشاحاً من السعادة في لحظة صفاء تزامنت مع “بداية”، ونبعت من سعادة تلك البداية سعادات كثيرة، تود معها لو أمكنك توزيع تلك السعادات على كل الوجوه التي رأيتها في حياتك. على الفقراء الذين ستثريهم هذه السعادة، على المرضى الذين سينامون بغبطة، على الجوعى الذين سيشبعون …

The post سعادات appeared first on فيصل العايد.

]]>

سعادات البدايات

مرةً حدث لي شيء فريد، اكتسى فيه القلب وشاحاً من السعادة في لحظة صفاء تزامنت مع “بداية”، ونبعت من سعادة تلك البداية سعادات كثيرة، تود معها لو أمكنك توزيع تلك السعادات على كل الوجوه التي رأيتها في حياتك. على الفقراء الذين ستثريهم هذه السعادة، على المرضى الذين سينامون بغبطة، على الجوعى الذين سيشبعون بها، على المحزونين الذين سيبتسمون لها ولو للحظة، على المخطئين الذين ستنسيهم نداماتهم، على المنتظرين فرصتهم الثانية فيقومون لها، على المغتربين فتؤنس وحشتهم، على الأمهات القلقات والزوجات المتعبات والبنات الصغيرات، على المطلقين والمطلقات وأبناءهم العالقين بينهم، على الفلسطينيين، على المكتئبين الواجمين الهائمين، على الأرامل والمظلومين والمساكين، على كل من دعا ولم يسمع حوله آمين، على الشقاء ذاته والحزن علّه علينا يلين، على الراحلين، على الذين أمنيتهم لو كان كل شيء وما كانوا، على القانطين. لا تتفاجأ، لم تدم تلك البداية، وما دامت سعاداتها علي، ولم أتمكن من الكتابة عنها حتى اللحظة، بعدما فارقتني منذ زمن بعيد، وتركتني أعود عن السخاء وأتمنى لو كانت كل تلك السعادات متوزعة على أياميّ ولياليّ، لا مجتمعة في لحظة واحدة.

سعادات النهايات

لماذا تبدو جميع النهايات سعيدة مهما كانت بائسة؟ لماذا نفرح بنهاية الأشياء ولو كانت تجارِب لا يمكن تكرارها أو تجاوزها؟ هل كانت كل أولئك سعادات خالصة بعدد النهايات أم أنها مشاعر الرضا فقط، الرضا بانتهاء كل ما له ابتداء، وتسليم واستسلام للنتيجة التي أصبحت حتمية مكتوبة مكشوفة لا يمكن تبديلها؟ أجل، كلها سعادات، وهل السعادة إلا الرضا! الفرح العارم المنقطع ليس إلا نشوة عارضة، وليست تهمّنا الآن. إن كل ما ينتهي نتيجته هي الرضا، ويقود إلى الرضا، أو يجدر به. السخط والاعتراض على نهاية من النهايات هو اعتراض على حقيقة من الحقائق من حيث هي حقيقة، ولا ينفي السعادة بالنهاية، كثيراً ما يعمينا السخط فلا نرى سعادة النهاية ولا نعيشها ولا نكترث بها. أريدك أن تفكر ملياً، هل هناك نهاية لم تسعد بها؟ لماذا؟ إن بهجة النهايات كثيراً ما تحدث، وتبقى في الذاكرة حيّة نهايةً من النهايات ولو نسينا سائر التجربة. كم يسعدنا رؤية نهاية سعينا، ووضع حد لكل الترقب، ويوماً ما، سنرى مساعينا كلها تنتهي، وسنرى نهاية النهايات، وربما سعادة السعادات.

سعادات الداخل

هل يمكن لشخص أن يبدو سعيداً من الخارج وهو على النقيض من ذلك؟ هل نسميه سعيدَ الخارج؟ إذن فالسعادة لا تعدو أن تكون صورة الإنسان عن نفسه في نفسه. قد يتبختر أمامك بماله وجاهه وصِلاته ورحلاته وإنجازاته وإمكاناته، ويبهرك بها، ولك الحق في انبهارك واختلاب تلك الكمالات والكماليات لانتباهك، ولكنه يقوم من مجلسك، ويؤوب إلى فراشه حزيناً، تعيساً بإنجازاته، معاقباً بها. لا تشك يوماً بأنه أسعد الناس طرّاً وأوفرهم حظاً وأضحكهم سنّاً، ولكن ما هذه السعادة التي ليس لصاحبها منها نصيب! ما هذه الحياة التي يسعى فيها الواحد لبهرجة أيامه أمام الناس والآخر ويعود حين يعود إلى غرفته بخفيّ حنين، لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع. لا شيء سيء في حياتك أبداً، لكنك لست بسعيد، لأنك حرصت على تنظيف وتحسين وترتيب الخارج، من أجلهم، ولم يهتم بداخلك أحد. اطمح واسعَ وغامر وشاغب وطالِب، ولكن سعادتك ستكون أول ما تصبح عليه وآخر ما تنام إليه، ومغامراتك وتجاربك ستشد منك وتفاخر بك أمام الآخر، بينما تخلو إليك سعادتك وتخلو إليها، فتفهم أن ما ذهبت به الريح لم يكن يستحق.

سعادات المكان أو سعادات الخارج

كنت أظن كورنيش الخبر مكاناً سعيداً، حتى رأيت كورنيش باتومي، ومضيق البسفور، وشواطئ المحيط الهادي، وتعلمت أن رؤية ماء البحر ونسيمه وأمواجه تبعث في نفسي سعادة. هذا التقاطع اللطيف بين اليابسة والماء يخلب اللب، أثبت الشاطئ بطول وتكرار وتنوع التجارب أنه مكان تستوطنه السعادة، أليس هذا ما يعنيه ذهاب المحزونين إليه هرباً مما هم فيه! وإن كان المكان سعيداً على الدوام، فهل يعني هذا أنه من الممكن أن نسافر إلى “السعادة” ونظفر بها في زاوية من زوايا الأرض وزقاق من الأزقة؟ كنت أرفض، ولا زلت، كل ما يربط السعادة بتمثلات مادية، وأفسّر كل سعادة أحدثها مكان في النفس إلى مساعدته في تحسين المزاج بلطف النسيم وشرحه للصدر برحابته وجمال مناظره، وتخلية البال من الهم لما يحدثه من غفلة عن النفس وما هي فيه ونسيان مشاكلها الملحّة. فلماذا لا أعترف ومكان كذلك المكان، يُحدث في النفس كل هذا، بأنه مكان سعيد! لماذا لا نريد أن نقبل أن هناك سعادة يمكن الذهاب إليها! ولو تأملت، لوجدت الأم شيئاً خارجاً عنك يسعدك اقترابك منه واتصالك، وربما قلت: النفس من الأم فليست بخارجة عنها تمام الخروج، فماذا عن الأطفال والطفولة، ألا تفرح لرؤية طفل يضحك؟ ألا يحدث ذلك لك سعادة؟ الأمثلة كثيرة على سعادات خارجة عنّا ترتبط بمكان أو حدث، فهل يمكننا الفوز بسعادات بعدد الأماكن السعيدة؟

ا

١١ محرم ١٤٤٥

The post سعادات appeared first on فيصل العايد.

]]>
293
ركوع https://faisalalayed.com/%d8%b1%d9%83%d9%88%d8%b9/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25b1%25d9%2583%25d9%2588%25d8%25b9 Thu, 13 Apr 2023 16:24:05 +0000 https://faisalalayed.com/?p=271 اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعَصَبي، وما استَقَلَّت به قدمي. سُبُّوُحٌ أنت، قُدُّوسٌ أنت، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ أنت. تتفطّر قلوبنا إلهنا جزعاً وتتشقق وتتلوى وتنزوي صاغرة راهبة خاشعة مشفقة من عزيزِ جلالك ودوامِ قيّومتك وتفرّدِ صمديتك. وكيف لا يكون حالنا كذلك، وقد ألزمنا أنفسنا شيئاً ليس يلزمها، …

The post ركوع appeared first on فيصل العايد.

]]>

اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعَصَبي، وما استَقَلَّت به قدمي. سُبُّوُحٌ أنت، قُدُّوسٌ أنت، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ أنت.

تتفطّر قلوبنا إلهنا جزعاً وتتشقق وتتلوى وتنزوي صاغرة راهبة خاشعة مشفقة من عزيزِ جلالك ودوامِ قيّومتك وتفرّدِ صمديتك. وكيف لا يكون حالنا كذلك، وقد ألزمنا أنفسنا شيئاً ليس يلزمها، وأشرنا عجولين إلى كرمك إلهنا ومنتك ورحمتك، وأنت العظيم، لا نحيط بك علماً ولا نحصي لك حمداً ولا نوفيك شكراً وتسبيحاً، ونجدنا مضطرين للهمس صاغرين ذليلين بما استقر في نفوس الخليقة ناطقها وصامتها من كمال عظمتك وجليل تدبيرك وقداسة ملكوتك.

نركع لك، وحدك، ركوع المعترف بك، الخاضع لك، السامع بك، الطائع بإذنك، المغتبط بمعرفتك، السعيد بهدايتك، الوجل منك، المقدّس لمقامك. ونسبح اسمك، سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة. سبحان الله، سبحان ربنا العظيم، المنّان، علّمنا الركوع له، وتعظيمه، وشاء ذلك ويسره لنا، فيا خيبات الراكعين لغيره المعظّمين سواه الناسين الظالمين الموكولين أنفسهم.

اللهم أنعمت علينا بتلاوة كلامك والركوع بعده، وعلّمتنا على لسان رسولك الكريم أن الركوع تعظيمك، اللهم عظّمناك بذكرك وتسبيحك والانحناء لك، اللهم لولا السجود والطمع في مزيد الاقتراب ما رفعنا من ركوع ركعناه، اللهم إنا مساكين عظّمناك بما عرفنا أنه تعظيمٌ لك وما جرؤنا على النطق بغيره أو مجاوزته، اللهم سبحانك ربي العظيم، سبحانك ربي العظيم، سبحانك ربي العظيم.

سبحانك حتى تجف الألسنة، وتتحجّر الركب، وتئن الظهور، سبحانك عدد ما أستطعنا تسبيحك، سبحانك حتى ترضى، سبحانك حتى تأذن أن نقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

١٧ رمضان ١٤٤٤

The post ركوع appeared first on فيصل العايد.

]]>
271