حكايا Archives - فيصل العايد https://faisalalayed.com/category/حكايا/ Tue, 07 Oct 2025 18:40:44 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=7.1 https://i0.wp.com/faisalalayed.com/wp-content/uploads/2019/08/cropped-Light_Bound_Background_Diamonds.jpg?fit=32%2C32&ssl=1 حكايا Archives - فيصل العايد https://faisalalayed.com/category/حكايا/ 32 32 243650815 دراما الهجر https://faisalalayed.com/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%ac%d8%b1/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d8%25af%25d8%25b1%25d8%25a7%25d9%2585%25d8%25a7-%25d8%25a7%25d9%2584%25d9%2587%25d8%25ac%25d8%25b1 Tue, 07 Oct 2025 18:37:38 +0000 https://faisalalayed.com/?p=368 ولّد هجر منصات التواصل انفعالات شديدة داخله، ليس يسمي فعلته صيامَ دوبامين، لكنها شيء يشبهه، ولها أثر ونتيجة وسبب لا تختلف عنه كثيراً. جرّب صيام الدوبامين مرةً قبل سنة لما سافر إلى جزيرة نائية وتخلى عن أجهزته الإلكترونية، أنقذته تلك التجربة من تبدّد وشرود وضعف نفسي امتدعليه طويلاً، هذا الهجر الطوعي الجديد لمنصات التواصل مستلهم …

The post دراما الهجر appeared first on فيصل العايد.

]]>

ولّد هجر منصات التواصل انفعالات شديدة داخله، ليس يسمي فعلته صيامَ دوبامين، لكنها شيء يشبهه، ولها أثر ونتيجة وسبب لا تختلف عنه كثيراً. جرّب صيام الدوبامين مرةً قبل سنة لما سافر إلى جزيرة نائية وتخلى عن أجهزته الإلكترونية، أنقذته تلك التجربة من تبدّد وشرود وضعف نفسي امتدعليه طويلاً، هذا الهجر الطوعي الجديد لمنصات التواصل مستلهم من تجربته القديمة ومدفوع برغبة شديدة لإعادة استدعاء لحظات بهجته وحبوره بنعمة الحياة. روحه مشتتة غائبة، ولو جلس وحيداً بلا إنترنت لعاش معها جحيماً لا يطاق، ولكن إذا كانت مشكلته روحية تتجاوز منصات التواصل فلماذا اكتفى بهجرها؟ لا يعلم، ولكنه متيقن أن منصات التواصل فاقمت الأعراض ونكأت مندمل الجراح، لا أحد يشتكي آثار اليوتيوب وقوقل، وربما لو أخبر مواليد الألفية الثالثة لضحكوا عليه ووصفوه بالمبالغة، كيف يمكن العيش من غير سناب وتويتر وتيك توك وأنستقرام.

يشعر بأن المحيط لم يستقبله كفنان ولم يعترف به كما يستحق. هذا النزاع الدائم بين الفنان ومحيطه والرغبة غير الملباة بتقدير أعماله والاحتفاء بها أطالعليه حالة الشك في جودة وأصالة ما يقدم، حتى هلكت روحه وانشغلت بنفسها وضمر إبداعه وفنه. منصات التواصل أتاحت لمحيطه إعلان انطباعه عن أعماله ومخاطبته مكاشفة، صحيح أنها انطباعات لحظية سريعة الورود والتلاشي إلا أنه يشعر بخيبة مهما كانت حقيقة تلك الانطباعات، لكونها أفقدته صفاءه الروحي، أصل فنه. والحقيقة وراء هجره نقمته على تلك الانطباعات اللحظية، وما يعنيه عددها القليل من كون فنه لا ينتشر ولا يحتفى به كما يجب. تكرار هذه النتيجة مهما قلب تفكيره يزيد نقمته ويكثّفها ويربيها يوما تلو يوم.

بعد أسبوع بدأ يشعر بتحسن، يلاحظ روحه ترمم نفسها داخله، لا تقلب فيالمزاج والعواطف، ولا ارتباك في الأفكار، ولا تحديث متكرر لصفحته الشخصية لعل متابع جديد يظهر ويبارك فنه. نبالغ في وصف لحظات هجرنا وننفعل بها دائرين حول أنفسنا مضخّمين عواطفنا، وتكفينا نظرة واحدة إلى الشخص الواقف أمامنا في المرآة لنعي الدراما التي يعيشها المغرور منغلقاً على نفسه.في اليوم الثامن أصبح ذهنه أكثر صفاءً والقضايا الرئيسة أحضر، والصوت داخله أوضح وأقوى، ليست ثقة زائدة بل قدرة على رؤية ما يريد بوضوح. ارتدّت إليه ذاته، وأصبح يرى حين ينظر، وينصت حين يسمع، ويقول حينيتكلم.

في خلوته تلك طفا سؤال على السطح بإلحاح، لماذا يريد الحصول على إعجابات كثيرة وإعادات نشر لفنه؟ ربما كانت تلك طريقته الوحيدة لمعرفة جودة إنتاجه، لكنه يعلم يقيناً أن ما لم تحتفِ به الناس أجود وأتلد مما احتفوا به. هل الجمال ما أجمعت الناس عليه أم أنه جميل بنفسه ولو استقبحوه؟

قرأ قول ابن المقفع: “على العاقل أن يجعل النَّاس طبقتين مُتباينَتين، ويلبس لهم لباسين مُختلفين، طبقة العامة: يلبس لهم لباس انقباضٍ وانحِجازٍ وتحفّظ في كلِّ كلمة، وطبقة الخاصة: يَخْلع عندهم لباس التشدّد، ويلبس لباس الأنسةِ واللُطف” واقتنع ألا فائدة من إخبار الناس كم يحب ذا الشيء وكم يكره ذاك، لا أحد يفعلها في المجالس الحقيقية بهذه الكثافة، وتويتر أشبه ما يكون بمجلس كبير. ولا فائدة البتة من قراءة أفكار ناقصة لإنسان آخر لا تمتّه به أي صلة حقيقية ولا تعنيه انطباعاته اللحظية وتمتماته التي يحدّث بها نفسه، وتذكر الذي كتب: “ما أراهُ هُرَاء، هذا العالَمُ يضجُ هُرَاءً.” وغيره فئام لا تنتهي من أشباهه وأشياعه ومن هو أحط منه ممن سيحشو رأسه بما لا فائدة ترجى منه.

يريد التوقف عن دوام الالتفات وانتظار استحسانهم والتفتيش عنهم في ذاته. التاريخ لم ولن يحفظ سوى متنبياً واحداً لا ثاني له، وجاحظاً واحداً لا ثاني له، فما كان عزاؤه إلا أن دعا نفسه للتشبه بالتوحيدي وشيخ المعرّة ومن قام مقامهم ممن لم يقدرهم أهل زمانهم حق قدرهم، وماتوا على فاقة وقلة جاه وخمول ذكر وفضل. عاش أيامه يقول بذلك ويعزّي نفسه بمن سبقه، ولم يفطن إلى خطئه إلا الساعة، فكما أنه لن يبلغ مبلغ سَلَفِه، فإنه لا يضمن جودة أعماله ابتداءً كي يموت مطمئن القلب قرير العين بحسن ما ترك وراءه. الكشف أنه لن يبلغ مبلغ هؤلاء ولا أولئك، لا أحد يشبهه، ولن يشبه أحداً ولو تكلّف وتسربل ووصل الليل بالنهار وهجر جميع منصات التواصل، بل من تمام صدقه لنفسه والرفق بها أن يقبل ويعلم أنه سيعيش من أوساط الناس ويموت من أوساطهم، يخوض مع الخائضين، فيلقى نصيبه من الخير لا مهرب منه ويركب نصيبه من الشر لا مهرب منه.
استطاع العودة إلى قراءة الإمتاع والمؤانسة بسبب انقطاعه وانعزاله، وقرأ ليالٍ أعجبته وأخريات لم تعجبه. إلا أنه وصل لنتيجة بعد انقضاء شهر مفادها أن شدة القرب والمبالغة في البعد؛ عَمَيَان. هذا يصدق على البصر فيما يرى، والقلب في تعامله مع الناس. لا ينبغي لك أن تبتعد ابتعاداً لا عودة ترجى بعده، ولا أن تقترب اقتراباً توشك أن تمتزج فيه بنفوسهم، فالقلوب تأبى ذلك بفطرتها ولو طلبته ونشدته.

يجب عليه الاعتراف بأنانيته، وهو أصدق انتقاد واجهه، رغم أن الفنان لا ملامة عليه ولا ملجأ له من الأنانية، فهي سر الإبداع ولولا اعتداد المرء بنفسه ورغبته في التعبير عنها، عن عواطفها وآمالها وأحزانها وأفكارها وسائر أغراضها ما كتب كاتب ولا نظم شاعر ولا رسم رسام ولا نحت نحات، ولا يفرق بين فنان وفنان إلا ذلك، ومع أن الأوائل لم يعرفوا لفظة الأنانية بهذا المعنى إلا أنهم متفقون على وجوب غرق المرء في ذاته قبل والانطلاق منها لفنه. لكن طبيعة منصات التواصل أزّت الناس إلى الحديث بصيغة المتكلم والإكثار من ذلك.وليس إلا من بني عصره، فهل هو أناني كما يتهم؟ إنه أناني بالقدر الذي تستدعيه الضرورة وتستوجبه الفطرة، يحق له أن يحب ويكره ويفعل ويدع ويرغب ويرهب، لكونه إنساناً لا روبوتاً، وخطؤه أنه أظهر ذلك بدل أن يلزم الصمت ويركز على عمله القادم. بهذه الفكرة شعر أن انقطاعه أتى بثماره فعاد للمنصات من جديد، جاهلاً أن انقطاعاً أطول وأعرم ينتظره عما قريب.

The post دراما الهجر appeared first on فيصل العايد.

]]>
368
يستحيلُ جداراً https://faisalalayed.com/%d9%8a%d8%b3%d8%aa%d8%ad%d9%8a%d9%84%d9%8f-%d8%ac%d8%af%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d9%8b/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%258a%25d8%25b3%25d8%25aa%25d8%25ad%25d9%258a%25d9%2584%25d9%258f-%25d8%25ac%25d8%25af%25d8%25a7%25d8%25b1%25d8%25a7%25d9%258b Wed, 12 Apr 2023 02:24:32 +0000 https://faisalalayed.com/?p=277 لا يستطيع النظر في وجه صديقه، عيناه مترددة مرعوبة تتحاشى النظر في عينيه مباشرة، لذلك يتحدث إليه وهو ينظر إلى كوب قهوته باستمرار، لم يلاحظ صديقه ذلك. مرت أسابيع عديدة منذ آخر مرة انتقد أو اقترح أو ناقش مديره في العمل، كل ما صار يقوله لا يتجاوز: “حسناً، سأفعل ذلك”. لا يتذكر متى تناول فيها …

The post يستحيلُ جداراً appeared first on فيصل العايد.

]]>

لا يستطيع النظر في وجه صديقه، عيناه مترددة مرعوبة تتحاشى النظر في عينيه مباشرة، لذلك يتحدث إليه وهو ينظر إلى كوب قهوته باستمرار، لم يلاحظ صديقه ذلك. مرت أسابيع عديدة منذ آخر مرة انتقد أو اقترح أو ناقش مديره في العمل، كل ما صار يقوله لا يتجاوز: “حسناً، سأفعل ذلك”. لا يتذكر متى تناول فيها وجبة طعام مع أحدهم، لقد تجاهل جميع دعوات زملاء العمل والمعارف الذين يظهرون فجأة بعد غياب، أما أصدقاؤه -أو من بقي منهم- فقد كان يبذل جهده حتى تقتصر الدعوة على كوب قهوة لا غير، فوقت العشاء طويل لا يحتمل، ويجلس طوال اللقاء مستمعاً لا يتكلم، يتكلف التعبير عن ردات الفعل بوجهه مبتسماً أو مكشراً كي لا يشعر جليسه بغرابة الموقف. أمه أشارت أكثر من مرة إلى أنه أصبح يعتزل العائلة ويجلس لوحده طوال الوقت، وأخته أخبرته أنه لم يعد يحمل مشاعراً وحياة نشيطة كالسابق، وعندما أخبرها على انفراد بعد إلحاح شديد منها على أن يتكلم ويقول شيئاً ما، أي شيء، أخبرها بكل شيء يحدث لأنه لا يملك شيئاً آخرَ يقوله، شهقت مندهشة وعلى وجهها تعابير مختلطة تبدأ بالضحك وتنتهي بالقلق: “كأنك صرت جداراً”

The post يستحيلُ جداراً appeared first on فيصل العايد.

]]>
277
كشتة https://faisalalayed.com/%d9%83%d8%b4%d8%aa%d8%a9/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2583%25d8%25b4%25d8%25aa%25d8%25a9 Tue, 19 Jan 2021 14:33:09 +0000 https://faisalalayed.com/?p=222 .. يتململ خالد كلما جلسا معاً، بل ويصرح للبعض على انفراد ويصف سعد بالموظف الكسول. فكثيراً ما حضر إلى المكتب قبله بساعة وأنهى مهامه المتأخرة. لم يهتم يوماً بالرد على رسائله مهما كانت مستعجلة، إلا بعد مرور ساعات، ويوافق الفريق على اقتراحاته أو يرفضها، فلا يصبح لرأي خالد المتأني أهمية تذكر! ‏المزعج في الأمر أنه …

The post كشتة appeared first on فيصل العايد.

]]>

..

يتململ خالد كلما جلسا معاً، بل ويصرح للبعض على انفراد ويصف سعد بالموظف الكسول. فكثيراً ما حضر إلى المكتب قبله بساعة وأنهى مهامه المتأخرة. لم يهتم يوماً بالرد على رسائله مهما كانت مستعجلة، إلا بعد مرور ساعات، ويوافق الفريق على اقتراحاته أو يرفضها، فلا يصبح لرأي خالد المتأني أهمية تذكر!
‏المزعج في الأمر أنه تمكن من الانضمام لقروب “الشلة” بطريقة أو بأخرى. كلهم يعرفون بأن خالد لا يكن له خالص الود منذ الدراسة الابتدائية، مروراً بالمتوسطة والثانوية والجامعية، حتى الوظيفة. استمر سعد يلازمه كظله لا يتركه مهما عبس له أو تهرب منه. خالد لم ولن يسامحه على إفشائه الأبله للأسرار.

‏قاد خالد الجيب مستقبلاً النفود بثقة أكدتها الخبرة، ركز ناظريه تجاه القمة وهو يدوس برجله محرقاً البنزين بوتيرة متسارعة. هكذا علمه أخوه الأكبر أول مرة، يوم أن كان الأخ الأكبر مسؤولاً عن الأصغر. صعد النفد، وواصل سيره فوق الرمال المنبسطة بتؤدة لا مبالية، أصبح الكل لا يكترث بأحد. لماذا صار أخوه بارداً معه لا يكترث به! وعمداً، تغافل عن التركيز -بخلاف توجيهات الأخ الأكبر- صاعداً هابطاً بالجيب فوق النفود، متجهاً لمكان “الشلة” المعتاد.
‏بعد وقت طويل من هبوط الليل وصل آخرهم. كعادتهم، لا بد وأن يتأخر أحدهم عن جلسة النفود.
‏هذه المرة تفاجؤوا بسامي الذي أتى بعد أن هجرهم شهوراً متجاهلاً جميع اتصالاتهم بلا استثناء. التفت خالد نحوه ماداً فنجال القهوة: “تقهو سامي” رحب بابتسامة تناقض عتبه على هذا الجافي الذي أصبح يعامل كالضيف بعد كل تلك السنين.
‏ أحمد الذي عوّد الشباب على شاهيّه، انشغل يغلي الماء ويضع السكر بسخاء، قبل أن يرمي حفنة أوراق الشاي الذي لقب بها “خدير”. كان يشعر أثناء ذلك بالتوتر يعلو الجلسة على غير عادة، الكل قلق بشأن خالد وسامي وما قد يسفر عنه هذا اللقاء. فهذا يعاتب باهتمامه الزائد، وهذا يتجاهل بفجاجة!
“حيّ الله سامي..” رحب خالد وهو يقرب حفنة من التمر، لم ينتظر رداً: “قل لي أنك ما نسيت رائحة السمر.. أو الغضا إذا التهبت ناره قبل الفجر”
“نسيتها كلها”
سكت خالد. ينتظر شيئاً.
استدرك سامي: “ما عدا الأرطى إذا اشتعلت وقت المطر”
لا أحد من الشلة ينوي قطع المحادثة. استمعوا بصبر وترقب، يتظاهر بعضهم بالانشغال. انقطاع الإرسال وسط النفود يفضح أحمد الذي أمسك بجواله وحدق في شاشته، أدباً.
“لم يمنعك أحد منها. الوسم لحقته أيام خير وأنت تعرف محلّنا” ثم تنهد: “اختفيت عنا يا رجل”
“ظروف” قال سامي ورفع فنجاله محتسياً القهوة رشفةً واحدة، لم تفارق عيناه خالد.
ترك أحمد الجوال ومد يده ليأخذ الفنجال بنباهة من يد سامي الذي تخلى عنه له.

ظروف! كلنا عندنا ظروف. ولا نكتمها عن بعض أو نسكت ونغيب. كلنا عندنا ظروف لكن نرد على الاتصالات. نستشير ونفضفض وننصح بعضنا. عشرة عمر بيننا وخوّة!
كسر خالد الصمت بصوت هادئ: “كلنا عندنا ظروف”
حس سامي بالاحتجاج، سكت.
“بس عمرنا ما خبينا على بعض. ما عاد بيننا ثقة؟”
“لا تقولها يا خالد. تدري أن ما لي حيلة. الثقة موجودة، والاحترام، والمحبة.. لك وللجميع”
أكد سامي على “لك” بشكل باهت لم يلاحظه إلا خالد. يعرف مكانته عند خالد ومكانة خالد عنده. الشلة اجتمعت حولهما، وعلاقتهما أمتن من البقية.
“ما لها أثر يا سامي، ما لها أثر!” أجل. لم ينسى خالد أن علاقتهما كانت الأقدم والأمتن. كانت.
ولكن بأي حق يساوي بينه وبين البقية! بأي حق يغيب عنه هذه المدة الطويلة جداً، ويساوي بينه وبين الآخرين فلا يجيب اتصالاته ولا يرد على رسائله. ويعطيه بلوك! كثير ما فعلته يا سامي. حاولت أعتذر لك، أعطيك فرصة تبرر موقفك وتشرح ظروفك، تتأسف. تأتي لنا فجأة ولا تلمح بأنك ستنفرد بي وتخبرني بكل شيء. ثقيل الحمل الذي وضعته فوق كتفي. كريم أنا، لا أقبل إهانة قاسية من أخ غالي وعزيز.
قاطع الجلوس حوارهما المشحون بالعتب. لم يكترث أي منهما بمتابعة الحديث. تكاشفا بما فيه الكفاية.

***

استبدل فهد البدلة بالثوب، أو بالأحرى خلع الثوب وامتطى ظهر (فضة) بعد طول غياب. لولا تحدي خالد أمام “الربع” وإهانته المبتذلة لما وافق على خوض سباق. أرخى لفضة عنانها وانطلق محاذياً خصمه، خائفاً عليها ومنها همس: “لا تسوين سوات المها يا فضة” وبانزعاج، استقبل ذكرى السباق الأخير مع سامي وما حدث له على ظهر المها. ومع أن خالد وأحمد ناجياه غير مرة في السابق: “المشاحنة التي صارت على خلفية سباقه الأخير مع سامي ليست سبب هجره للشلة” إلا أنه كره السباقات، مع شباب الشلة بالذات، فأكثر الخلافات ترتبط وتلك السباقات بسبب أو بآخر. والآن عاد سامي ولكن خالد لم يعد يكلمه، فهجرهم مرة أخرى.

‏”سامي توفى بحادث سيارة” أربع كلمات حملتها رسالة النعي لتجر بعدها تعاطف وترحم وحوقلات في قروب الشلة. خالد لم يكتب شيء، ولا يريد الكتابة، غير قادر على استيعاب حقيقة موت صديق خانه. أغلق الآيفون ورماه بعيداً بقهر، يشعر بحزن كبير، ولكن ليس على موت سامي.

٤ جمادى الثاني ١٤٤٢

The post كشتة appeared first on فيصل العايد.

]]>
222
مِشْعَان https://faisalalayed.com/%d9%85%d9%90%d8%b4%d9%92%d8%b9%d9%8e%d8%a7%d9%86/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=%25d9%2585%25d9%2590%25d8%25b4%25d9%2592%25d8%25b9%25d9%258e%25d8%25a7%25d9%2586 Wed, 20 Nov 2019 20:05:58 +0000 https://faisalalayed.com/?p=148 مشعان الشملان، اسم سهل الحفظ على ذلك الفني الجديد الذي لم تعتد يده الصغيرة على ضرب صفائح الحديد حتى الآن. إنه اسم وحشي من منظومة ثقافية مغايرة كما يوحي بذلك الصوت الخشن للكلمة وتلك الصورة العنترية للرجل. سأل الفني بسذاجة زميله الذي تولى تدريبه لأسابيع بعد لقائهما الأول: -مشعان، هل أنت بدوي؟ -في عينيك، أنا …

The post مِشْعَان appeared first on فيصل العايد.

]]>

مشعان الشملان، اسم سهل الحفظ على ذلك الفني الجديد الذي لم تعتد يده الصغيرة على ضرب صفائح الحديد حتى الآن. إنه اسم وحشي من منظومة ثقافية مغايرة كما يوحي بذلك الصوت الخشن للكلمة وتلك الصورة العنترية للرجل.
سأل الفني بسذاجة زميله الذي تولى تدريبه لأسابيع بعد لقائهما الأول:
-مشعان، هل أنت بدوي؟
-في عينيك، أنا بدوي. ولكنني لا أعتبر نفسي كذلك.
-أظن أن البدو سيختفون من الوجود، أنت تعلم، هذه المجتمعات المدنية المتحضرة تقتلع كل ما يعترضها.
ندم الفني على جملته الأخيرة، لن يفهمها مشعان، أو أنه سينظر له باستحقار على تحذلقه في العبارة. أجابه مشعان بملامح جادة:
-البدو لا يموتون. نحن الصحراء.

بدا الفني الجديد مختلفاً منذ اللحظة التي دخل فيها المصنع أول مرة. نظر الفنيّون القدامى إليه طويلاً كأنهم يسبرون أغواره، جلده الناعم ووجهه المتشرب بالعافية ورغد العيش لا يروق لهم. بعد أيام من حضوره الأول، وكّل مدير المصنع مشعان بتدريب الفني فامتثل الأخير بلا مبالاة أو تثاقل.
الإنسان البدوي يبدو أكثر ثقة بنفسه، حديثه لا يعتوره تردد أو تأتأة. خلافاً عن الإنسان المتمدن الذي تعرّض لأفكار كثيرة جعلته أكثر شكاً وتردداً بدل أن يتعرض ويتفاعل مع الطبيعة. هكذا كان الفني القادم من المدينة إلى المصنع يفكر وهو يتلقى تعليمات موجزة ودقيقة من مشعان:
-ليس كذلك، المسمار عامودي والعزم بأقل مقدار. ثم وزّع الشحم على جميع المناطق التي تتحرك. الكثير منه حول الترس.
-بهذا الشكل؟
-ليس كافياً. دعني أريك.

كان الصوت المزعج لضرب صفائح الحديد بالمطرقة والشاكوش وخرقها بالمثقاب هو السائد في المصنع. كثيراً ما تكون هناك فترات من الصمت المطبق في بداية ساعات العمل ونهايتها وفي وقت الاستراحة، وأحياناً في دقائق انتظار وصول القطع الناقصة من المخزن. ولكن الفني وجد المصنع ساحراً وشاعرياً في اللحظات التي يتغنى فيها الفنيون أو بعضهم بألحان الحب والحنين للشتاء والخروج إلى البر أو ضيقة البال وانشراح الصدر.كانت أصوات البدو جميلة -هكذا كان الفني الجديد يسمي زملاؤه في نفسه، وإن لم يكونوا بدوًا كما قد تشاهدهم في الأفلام أو تقرأ عنهم في الكتب- ليست عذبة أو رقيقة، إنها خشنة كما يجب لرجل أن يكون، ومطربة كما ينبغي لعاشق أو أرض تهيّأت لمطر، وحزينة كمالك الحزين. وهي في كل وقت أصوات راضية بحكم الله.

حتى التغزل بالأنثى -وهو ما يكاد يتفق عليه جميع العمال الذين عايشهم الفني في حياته- له طابع مختلف هنا. هذه الطبقة المسكينة لذتها المنشودة ليست معقدة أو بعيدة الغور كما تلاحظ ذلك في موظفي المدينة البؤساء. بل هي لذة صريحة تعبر عن نفسها بأساليب فطرية. فنّيوا المدينة يعرفون السادية والمازوخية وقد يصرحون بها في نكاتهم، مما يغضب الفني الذي يتهمونه بالتحفظ الزائد. إنه لم يتغير أبداً عند هؤلاء البدو، ولكنه ارتاح للطبيعة الفطرية وإشارات العيون والأيدي التي لا تستطيع الصبر على العزوبة. إنهم -الفنيون- يتحدثون عن الأمر ذاته في كل مكان، ولكن البدو منهم يحتفظون بعذرية التعبير والأسلوب. توقف الفني عن الاستياء من ذكر تلك المواضيع منذ سنوات، وإن بقي متحفظاً عن الخوض فيها، ولكن ما الذي بوسع الفنيين الشباب فعله مع هذا العالم الذي يضع العوائق جاهداً أمام الزواج، ليس الشراب خياراً متاحاً ولا الزنا، فحش الكلام وسيلة احتجاج العزّاب المساكين.

كان مشعان وزملاؤه يصنعون القهوة العربية في الوقت ذاته كل يوم، لا يتنازل صانع القهوة عن سكبها في الفنجال وتقديمها للفني بنفسه دوماً. بخلاف فنيوا المدينة الذين يتبادلون الأدوار في صنع القهوة ولا يمانع أحدهم من أن يسكب كل شخص القهوة بنفسه، لقد كان واحداً منهم، ولكنه ما يزال ضيفاً عند زملائه البدو وإن مضت أسابيع على عمله معهم. مشعان لا يتورع عن شتم زميله الذي أخطأ أمام الجميع، فنيوا المدينة ينتبهون لعباراتهم ولا يجاهرون بشتيمة، بل يبلغ أحدهم المدير بالمشكلة وقد يزيد بعض الشيء إن إحتاج الأمر إلى وشاية، ولا أحد يعرف من يكون ذلك الشخص. كان الفني قادراً على مقارنة الكثير من الأمور، ولكنه يكتفي بتأمل مقدار التوتر بين فنيي المدينة، والفطرية بين الفنيين البدو.
كثيراً ما تغنى مشعان، والطريف أنه كان أصلعاً على خلاف معنى اسمه:
ضميني ضميني بالشمال وباليمين **
ضميني ضمة صغير(ن) يحبونه هَلهْ
‏ضميني لاجيت لك بالضحى لكن بلين **
‏ويش عذرك في صغير(ن) خذِيته من هله
ماحلا الفنجال من كف صافيةَ الجبين **
‏ساعة(ن) والناس كلن على راس عمَلهْ
‏وانتشي من ريحةَ الهيلِ من تيك اليمين **
‏تسلم يمين سقَتني الهنا دون الولهْ
كل ما شفت القمر قلت يالله لي تعين **
جل رب صـوّره بالـحلا ثـم كـملـهْ
‏قـالت الساعة تـروَح علـينا كـل حـين **
واللـيالي في هـوانا تـجي مستعجلةْ
من تناسى صاحبه ماذكر شوق وحنين **
‏والله ما يستاهل الحب ما يستاهله
‏بـاعـني بـاعـني وابـتدا طـبعه يـشيـن **
‏والزمن الأول تحول وأظنه حولهْ

٢٠ ربيع الأول ١٤٤١

صاحب الصورة: Stuart Broadley

The post مِشْعَان appeared first on فيصل العايد.

]]>
148