هذه دعوة عامة للتأمل، ومحاولة جادة للتوقف عن الركض وقول شيء عن حياتنا القصيرة. بخلاف أجدادنا الذين -عاشوا حياتهم تجاراً وحرفيين ورعاةً ومزارعين- لم يعرفوا الإنترنت والآيفون والمطابخ السحابية ومشاهير برامج التواصل وزحمة الرياض والأفكار التي تضعها في رأسك، نجد جيلنا منشغلاً ببناء مستقبله والاستجابة لمتغيرات كثيرة غير مسبوقة، لم يعد يملك معها فسحة وقتٍ يعبر بها عن نفسه وعواطفه. حدث الكثير على كوكبنا منذ تفشي كورونا حتى الآن، ومن الصعب تصديق حدوث كل ذلك في ظرف خمس سنوات لا غير.
إذن فهذه محاولة متواضعة وشجاعة للتعبير، وليست شجاعتها في الخروج بطريقة تخالف الأعراف الأدبية واعتمادها على مزج الموضوعات والانطباعات التي شكلت حقبة زمنية، مرخيةً الزمام لتعددية الأنماط الأدبية بدل التمسك بالوحدة الشكلية في رواية واحدة أو مجموعة قصصية أو مقالات مفردة، كلا، تكمن شجاعة هذا العمل في محاولته التطرق إلى مواضيع جديدة تستحق التأمل وأخرى منسية مهملة إهمالاً لا مبرر له.
فجاء هذا العمل -عصيّاً على التصنيف- في نصفين؛ قصصٍ كأنها نصوص ونصوصٍ كأنها قصص، راكمها نصف عقد من التأمل والملاحظة والاعتبار.
يتحدث الكتاب عن حياتنا، عن الرغبة والمحاولة والطموح والخيبة والسعي والاستسلام، عن العائلة والصداقة والحب والوظيفة والجامعة، عن حواراتنا الذاتية والبَيْنيّة وتوسلاتنا الإلهية، عن محاولاتنا لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا، والذي نفعله نهاية الأسبوع وحدنا، عن الأنثى التي تواجه تحدياتها وتسعى للعيش كما ترغب أو كما ينبغي لها أن تعيش.
من الصعب فهم إنسان من غير الاحتفاظ بكلماته كما هي، ولذا تجد الشخوص هنا تحتفظ بحريتها في الحديث باللغة التي تريد، في مكاشفة شخصية تعاينها من غير مواربة. وليس العنوان على الغلاف ضرباً من التشويق والإثارة، هذا عمل متواضع، مبتور من أفكار إنسان عاش هذا الزمان، مجتزأ من تأملاته، أرجو أن تعيش معه بعض الوقت، وتبتهج بما يشبهك منه، وتكون نصفه الآخر.

