لست على عجلة من أمري هذه المرة لألاحق حوادث هذه الرحلة وأدونها، ولم أر هنا ما يستحق الإشارة على كل حال. ولمّا كان مكثي في هذه المدينة الوادعة لا يجاوز أياماً قلائل، أحببت تدوين بضعة ملاحظات عن الصحبة والترحال والسفر.
أزعم أن كل إنسان بحاجة ماسة ومتكررة للتوقف، عن كل شيء، ومحاولة الانغماس في التأمل والاستجمام، ومنح العقل والروح فرصة للمراجعة والمحاسبة وإعادة الفهم.
فالأمر عندي نقيض ما ذهب إليه المتنبي:
يَقولُ لي الطَبيبُ أَكَلتَ شَيئاً
وَداؤُكَ في شَرابِكَ وَالطَعامِ
وَما في طِبِّهِ أَنّي جَوادٌ
أَضَرَّ بِجِسمِهِ طولُ الجِمامِ
فالذي يلزمه الجِمام -بله أن يضره- هو العقل لا الجسم، بل ربما أتلفه دوام العمل والنظر، من غير معنى وغاية يحملانه ويقودانه.
على أن السفر وحيداً كثيراً ما كان متعذراً، أو غير مندوبٍ إليه، أو مدعاةً للسآمة والملل. ولا مناص من صحبة تؤنس وتبهج وتعين على نوائب الدهر والرحلة، وفي هذا أردت دوران الكلام.
صحيح، ليس جميع الناس محبين للسفر، هذا بديهي، وليس جميعهم يصلحون صحبةً فيه، وربما وجدت بعضهم نديماً في المجالس صديقاً في الحضر، لكن السفر بمعيته ربما انقلب ضرباً من البلاء، وهنا غلط من غلط في اختيار صحبة سفره من غير سابق تمحيص واختبار.
ولعل من قبيل المفروغ منه في شؤون الترحال والسفر وجود الحد الأدنى من تشاطر الاهتمامات وتقارب الذوق والميول بين الصحبة. لا أحد يسافر مع إنسان لا يمكنه خوض محادثة معه أو يجزم بتنافر الذوق في المأكل والمشرب والمزارات. يجب عليك الامتناع عن السفر مع إنسان يستحيل أن تتفق معه على طعام.
على أن لب أخلاق الصحبة في السفر ثلاثة: المراعاة والاحترام والتقبّل، وتكاد تنعدم بهجة الرحلة لمن خلت صحبته منها.
المراعاة فلا تجعل نفسك محور الرحلة، بل تعط مساحة كافية لاحتياجات الآخرين ورغباتهم. والاحترام فلا تنتقد طوال الوقت، بل تشجع أصحابك على الحديث ولو في مجالات لا تفضلها ولا تفهمها، وتحرص على الحديث بكلام طيّب، ولا تسارع بالغضب على تافه من الأمور، وتوسّع صدرك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وتنصت وتستشير من معك -ولو أمّروك عليهم أو كنت أخبرهم- فلا تستفرد وتستبد برأي، هذه الرحلة لكم جميعا.
وهناك قدر زائد مبارك حين تبادر وتخدم وتحسن التدبير ولا تنتظر من يخدمك. كل هذا من قبيل المراعاة والاحترام. وكثيراً ما شكى الناس ممن إذا استيقظ أزعج النائمين، وإذا وصل البلد خرج وحده من غير إخطار او اعتبار، ومن لا يرضى برأي الأغلب إذا خالف هواه. نسب للشافعي: إذا المرءُ لا يرعاك إلا تكلفًا / فدَعهُ ولا تُكثر عليه التأسُّفا.
ثم تجيء الخصلة الثالثة والأخيرة من أخلاق الصحبة في السفر: التقبّل. تقبل ألا يسير كل شيء كما أردت وخططت، تقبل أن يتغير عليك الطقس والناس، تقبل تجربة الجديد وإعادة النظر في القديم، تقبل الملاحظات والرغبات المختلفة عنك، تقبل أن تتنازل عن جزء من كمال سعادتك ليسعد من معك سعادة مضاعفة، وختاماً، تقبل أن يكون الآخر مختلفاً عنك وتكون مختلفاً عنه والعيش راضياً بذلك.
كثيرة هي أخلاق الصحبة، لكنني اخترت منها تلك الثلاثة لتكون أس أخلاق السفر. اسمع ما قاله الصفاقسي عن الصحبة:
ورُبّ صديق خالص الوُدّ ناصح
وفيّ بما يُعطي من العهد شاكر
كريم بما في كفه وهو مُعدمٌ
عليم لدى الإشكال من خلف ساتر
وإن يخذُلنك الدّهرُ يوماًن فإنّهُ
على الدّهر نصرٌ فقد لناصر
وهناك ما يدخل في هذا الباب ويزيد في بهجة السفر من غير الأخلاق، كمدة السفر وعدد المسافرين ووجهتهم. أعرف من يرى أن الصحبة في السفر لا ينبغى أن تزيد على أربعة، وأنا أقبل الزيادة إلى سبعة في ظروف، لكنهم كرهوا الكثرة لأنها مدعاة للتفرق والتشظّي، وكرهوا القلة لأنها مدعاة للسآمة والتكرار. ولا معنى لتحديد السفر بمدة محددة لا يزيد عنها، فهذا مما يؤثر فيه الوجهة والغاية والموارد المتاحة، على أني أحبها بين عشرة أيام وأسبوعين إلا ما ندر.
قيل: لا تعرف الرجل إلا في ثلاث: المال، والسلطة، والسفر. ولذا استفتحت الكلام بحاجة الإنسان لجِمام العقل، وأختم بالتنبيه على أن هناك من يجهل طول كبته لأفكار ومشاعر وتجارب سيئة قديمة، ولا تجد أفكاره ومشاعره فرصة أسنح من السفر للطفو على السطح ومضايقة الوجدان والوعي. فتلاحظ منه أفكار وأفعال تراها أول مرة، كانت متوارية سنين طويلة، وتلمح في تصرفاته آثار هجران، أو حرمان، أو انتقاد وإقصاء، أو صدمات وإساءة معاملة وارتياب. وتجد نفسك فجأة أمام صاحبك الذي لم تهيئ نفسك للتعاطي معه بصورته الجديدة، يبحث عن الاعتراف والثناء، أو يتعمد الإساءة ودوام النقد، أو يشعر بحزن لا مبرر.
وهنا يتجلى حق الصحبة عليك بالمعاملة بالحسنى ومحاولة المراعاة والمساعدة، ثم أنت متروك لاتخاذ قرار تكرار السفر مستقبلاً. على أن جل الناس ليسوا كذلك وأكثرهم تفاجؤك بهجة الرحلة والترحال بصحبتهم وتطربك الآفاق الممتدة لمساحات التعرف عليهم والتعلم منهم.
وخلاصة القول أن من نحب السفر معهم هم من نحب العيش معهم، متفاهمون متنازلون متغافلون عن الزلة كرام لطفاء ناصحون ظريفون. وجمال السفر ليس بجمال الوجهة، بل جماله من جمال صحبته.
