لو وقفت أمام مرآتك ستنتبه أنك لا تراك. أجل، ترى وجهك، وبعض جسدك، لكنك لا تراك كلك. مهما حاولت واحتلت، يتعذر عليك رؤية جسدك جميعها من كل جانب. يجب أن تخرج عنه لتراه، كما يكون طور الشخص الثالث (TPV) في الألعاب. هذا الانتباه ليس بذي أهمية، لولا أن السؤال التالي ربما داهمك بغتة وأنت ما زلت في لحظة نظرك إلى مرآتك: ماذا لو كانت النفس والعقل كالجسد، يستحيل رؤيتهما من الداخل؟
يقول وندل هولمز “إن الإنسان إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة، الإنسان كما خلقه الله، الإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى نفسه”. ويصرّح العقاد حاكيا عن نفسه “هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان أنهم يتحدثون عن إنسان لم أعرفه قط، ولم أَلْتقِ به مرة”.
عقولنا قادرة -وكثيرا ما تفعل- على نسج قصتها الخاصة وحشد ما تريده من ذكريات وانطباعات وتجارب لتكوّن صورتها عن نفسها ودورها في الحياة وأفكارها ومعتقداتها، وربما كانت جميع تلك التصورات الذاتية خاطئة مفارقة للمنطق وعبثية بامتياز، لكنها مريحة. يعني أننا في غالب الأحيان نرى وهمنا عن أنفسنا ولا نرى حقيقة أنفسنا.
كيف نثق بعقل لا يرى نفسه جيداً؟ عقولنا تعمل في فضاء معتم يعتمد على انطباعات وذكريات وطباع وتجارب سابقة، وتميل إلى بناء صورة ذاتية مرضية لنا قبل أن تكون حقيقية. فضاء محشو بتحيزات إدراكية كثيرة تصنع وهم معرفتنا لأنفسنا؛ ونغفل أننا نبرر أخطاءنا على الدوام حسب مصالحنا، ونختار من الأدلة ما يدعم وجهة نظرنا في كل نقاش جاحدين ما يناقضها. هكذا تتشكل فينا صورة “أنا” مختزلة متحيزة مطمئنة لنفسها بعيدة عن الواقع.
يمكن تشبيه النفس ببيتٍ قديم تقيم فيه؛ تعرف دواخله وغرفه وممراته ومقتنياته، لكنك لا ترى شكله الخارجي إلا إذا خرجت منه، ولا يسعك التعرف على دقائق تصميمه وخفايا تمديداته من غير خبير عارف. أنت تدرك تفاصيل نفسك القريبة منك وتحس بمشاعرها اللحظية وانطباعاتها المباشرة، لكنك تجهل دوافعها الدفينة وتجلياتها في حركاتك وأفعالك وأقوالك. غارق في داخلك، ولذلك تحتاج إلى إشارة خارجية تشبه المعالم التي يراها الراكب ليدرك أن القطار يتحرك بسرعة، مع أنك في الداخل ربما لا تشعر بالحركة البتة.
هذا الخروج من الذات ومحاولة الانفصال عنها، سواء عبر النقد الذاتي والملاحظة والتأمل، أو الاستشارة من مختص خبير، أو حتى تقييمك السنوي من مديرك وانطباعات شركائك وعملائك وملاحظات أهلك وأطفالك وأصدقائك، هو طريقك الوحيد لترى صورتك الكاملة وتختبر ادعاءات المثالية والبطولة في نفسك. ومن هنا راجت وسائل التوجيه والهداية والعلاج والإرشاد، لو كان كل إنسان قادراً على رؤية مشكلته لم يحتج أحد لزيارة طبيب أو سؤال الهداية والإرشاد.
يرى الإنسان نفسه من خلال غيره، ولذا تصبح العلاقات الاجتماعية واحدة من أهم المرايا التي تعكس صورتنا وتكشفها لنا. ابن حزم يشير إلى معنى مقارب بقوله “من لم يَزِنه الناس لم يعرف قدره” فالآخرين يلتقطون ما نغفل عنه ولا ننتبه له لشدة التصاقه بنا، من أسلوب حديثنا إلى طريقة تأثرنا وتأثيرنا فيما حولنا، إلى مظهرنا الخارجي وملابسنا. أحكام الآخرين مهما بدت متزلفة أو قاسية أو مبالغا فيها هي حجر أساس نحتاجه لتكتمل صورة ذواتنا لنا. وهم ليسوا بالضرورة مرايا معصومة مهما كثر عددهم واتفاقهم؛ بل هم مجرد مرايا فيها من التشوّه والاعوجاج ما فيها تبعاً لتحيزات أصحابها وخبراتهم وتوقعاتهم ومواقعهم، فلا يكفي مجرد الاستماع لهم ورؤيتنا من خلالهم، بل على المرء تنويع مراياه والتوثق من مصداقيتها على الدوام بدل الركون إلى مرآة واحدة.
معرفة النفس ليست رفاهية روحية بل ضرورة. هي الأس الذي تُبنى عليه مقامات المحاسبة والمراقبة والتزكية، والإسلام يحثنا على معرفة نفوسنا وكشف حيلها وخدعها وضبط رغباتها وشهواتها ورؤية تجلياتها في سلوكنا. سعي دائم يحتاج إلى صدق ومجاهدة لا مجرد تأمل عابر. و”العارف من عرف نفسه، فاستراح من تعب طلب ما ليس له.”
والله عز وجل يقول: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} والبصر في النفس عسير من غير مرآة، وغرورٌ منا ظننّا قدرتنا على معرفة أنفسنا بالتأمل الشخصي وإهمال محاولة النظر إليها من الخارج. تبقى السبل المثلى لمعرفة النفس وتقويمها بحاجة إلى مزيد عناية وتأمل بدل الركون إلى تقليد ثقافات أخرى، وربما لديك طريقتك الخاصة في رؤية نفسك بوضوح، وكل ما أردت الإشارة إليه هو ذلك الانطباع الذي اعتمل في نفسي لما وقفت أمام المرآة لأنظر، فقالت صورتي: أنت لا تراك.
