أول رحالة أوروبي يزور الرياض

 

يمكننا اعتبار وليم بالجريف (1826-1888م) أول رحالة أوروبي يدخل مدينة الرياض. سبقه كثيرون لكنهم تفرقوا في نجد ولم يتعمقوا مثله ولم يكتبوا مثل كتابه: مذكرات رحلة سنة في وسط شبه الجزيرة العربية وشرقها. وصرح في بداية الكتاب بالسبب الذي دفعه إلى هذه الرحلة وهو تقديم النفع العام وربط حياة الشرق الآسنة بتيار التقدم الأوروبي المتسارع…، إلا أننا لا نستبعد وجود أهداف ذاتية لما تحمله مذكرات رحلته من مبالغات ومداعبات للشعور القومي الغربي ومحاولات لتسويغ الاستعمار الذي كان مستعرا في أرجاء العالم آنذاك. الرحلة كانت بتمويل سخي من امبراطور فرنسا الذي كان يسابق الإنجليز لاستعمار ما يمكن استعماره في المنطقة، ولا يسعنا إهمال تاريخ الرحالة نفسه الذي كان يعمل قبل رحلته هذه منصراً في أوساط العرب ببيروت وتعلم هناك العربية وتسمى بإلياس ثم تسمى بسليم أبي محمود إلياس، وأحيانا يتجول باسم ميشيل كوهين. 

ولا يهمنا التطرق إلى حياة بالجريف وتقلبات الدهر عليه حتى وفاته، بقدر ما يهمنا استعراض بعض ما دونه عن رحلته في نجد وما شاهده من الرياض القديمة. 

انطلقت رحلته بدخول حائل وهناك لاحظ العرب وامتدحهم بأنهم يعشقون الحرية، شجعان في الحرب، نشيطون في السلم، يتاجرون بشغف، ولا يهتمون بوعثاء السفر، ولا يثنيهم الاغتراب، والوفاء خصلة عندهم، وهم عنصر يتفوق على كافة العناصر الآسيوية والأفريقية! (كذا قال) 

ثم التقى بمرشده أبي عيسى في بريدة ليرتحل معه إلى الرياض، وأبو عيسى هذا شامي جاء من حلب، ومن الطريف أن بالجريف حمل معه خطاب توصية من حائل وكان من فطنته أن فض الرسالة ليقرأها قبل وصوله الرياض، ووجد فيها إشارة إلى أنه يمارس الشعوذة والدجل، فخشي أن تكون هذه جريمة عقوبتها الإعدام في فكتم أمر خطاب التوصية ولم يقدمه. لكنه تقدم بعد وصوله بإذن رسمي لممارسة العمل فكتب: “لقد وصلنا إلى الرياض ونحن نرجو فضل الله أولا ثم فضل فيصل، ونطلب إلى الله ثم إلى فيصل أن يأذن لنا بممارسة مهنة الطب تحت رعاية الله أولا ثم رعاية فيصل” وعلق شارحا لقرائه: على كل شخص أن يقدم في حديثه الإله أولا ثم يأتي باسم الحاكم بعدئذ مع مراعاة عدم استعمال حرف العطف الواو.  

ثم بدأ بسرد ملاحظاته ومشاهداته، فذكر بعض القرى والمدن ومنها الرياض ومنفوحة والدرعية ووادي السلع (هكذا ولعله قصد السلي) والحوطة، ونسب لمنفوحة الشاعر عمرو بن كلثوم الشمري (هكذا سماه خطأ). ولاحظ أن القبور دوارس لا شواهد لها ولا كتابات ولا نقوش تميزها، وأن أهل البلدة يحبون الطيب واللبان ويستعملون مبخر فخاري لذلك ويبقى عبق الطيب عالقا بالجسد ساعتين كاملتين. وامتدح قهوة الرياض ويرى أنها لا تُنَافس ولا تدانيها قهوة في أي بلدة أخرى. ولاحظ تردد النساء على السوق بكثرة، واشتغالهن ببيع اللحم والحطب واللبن وغيره، وانتشار ثقافة المساومة والمماكسة في السعر، وما سماه أكبر تجمع بشري لآكلي اللحوم بقرب محال القصابين وكتب أن النجديين أكلة لحوم عظيمون. وحكلى أنه رأى في الرياض وفودا من مشارف عمان يرتدون ثيابا صبغت بالزعفران وآخرين من أهل البحرين في ثياب مزركشة على النمط الفارسي ووفادين من شبه الجزيرة الهندية وغيرهم كثيرون.  

ووصف نفسه ورفيقه حاكيا طريقة تعاملهم: أرخينا الغطاء على رؤوسنا مثل العربي الحقّ وأعفينا لحانا، ولبسنا العباءة السوداء، وأخذنا نجتاز الشارع الذي يربط بين منزلنا والسوق بخطوات جنائزية وفي يد كل منا عصا طويلة، وكنا لا نتحدث إلا همساً، ورحنا نحتي كل من يقابلنا أو نرد عليه السلام إن للتحية قواعد تقتضي أن تحيي الجماعة الأقل عدداً الأكثر منها عدداً، وأن يلقي الراكب التحية على الماشي، أما الأخير فيحيي الواقف الذي يجب عليه بدوره أن يحيّي الجالس وهكذا دواليك، ولكن يجب على الرجل ألا يسلم على المرأة. إن فرق السن والوجاهة والوظيفة لا يعني شيئاً بالنسبة إلى أولية من يبدأ بالسلام وعلى المرء أن يرد التحية مثلها من دون النظر إلى كون المحيين من معارفنا أو من الذين نقوم بعلاجهم. 

وقدر بالجريف القرى التي في اليمامة إلى ما يزيد عن الثلاثين، ووصف أحياء الرياض أنها أربعة: حي شمالي شرقي يضم قصور الأسرة الحاكمة ومنازل موظفي الدولة وميسوري الحال، وحي شمالي غربي فيه يسكن الأغراب الوافدين إلى المدينة والمشبوهين وضعيفي الدين وتجد فيه دون غيره من يبيع التبغ ويدخنه وهناك مكث بالجريف، وحي جنوبي غربي وفيه يقطن المشائخ ورجال الدين الذين وصفهم بأنه لا يمكن مجاراتهم في أداء الصلوات الخمس يوميا ورعاية كافة أزهار التقوى، وحي جنوبي شرقي ويعد أكثر الأحياء كثافة سكانية ويشكل النازحون إلى المدينة من القرى المجاورة غالبية قاطنيه وربما كان أسوأ الأحياء بناء وأقلها جودة في الرعاية الصحية وتشهد على ذلك الكوليرا التي عصفت بالمكان غير بعيد. ولا يوجد فاصل حقيقي بين تلك الأحياء الأربعة فهي متجاورة متلاصقة. 

وصحيح أن زيارته كانت قصيرة نسبيا وأنه أورد كثير من الملاحظات بحياد وموضوعية، إلا أن بعض الملاحظات كرر فيها أخطاء من سبقوه للأسف وبالأخص في ما يتعلق بحديثه عن الدين، على أنه أقترب مسافة أكبر وعنده من الدراية باللغة العربية والدين الإسلامي ما يفترض أنه عصمه عن بعض أخطائه وجناياته. فمثلا يدعي أن النجديين لا يتوضؤون للصلاة وأنهم يستعيضون بالتيمم كسلا، وأنهم يدخلون المسجد بنعالهم وهذا باطل فشافعية دمشق ومالكية مصر لن يقنعهم ذلك، ولا يفوت تقديم بعض الملاحظات عن صيغة الأذان التي يراها ناقصة. وزبدة القول أنه لم يؤثر عنه مجالسته لفقيه أو عالم أو قراءة كتاب في الفقه والعقيدة -وهو لا يخجل من التصريح بذلك- فمعظم ما دونه هو من رواية من جالسهم ورافقه ولو كان أعرابا، ولا يفوته فلسفة تلك الروايات حسب هواه، ثم تلقى تلك الروايات رواجا في الدوائر الغربية لأنها تؤكد في أذهانهم الصورة التي رسموها سلفا. ومن نافلة القول الإشارة إلى تطرقه للدعوة الإصلاحية بما ليس فيها واجترار ما قاله الرحالة قبله عنها وما كان رائجا في المناطق التي جاء منها ومر بها قبل بلوغه نجد، وهذا مما عمت به البلوى بين الرحالة جميعهم. وتجد بين ثنايا ملاحظاته ومشاهداته امتداح الطمأنينة وانعدام الحركة في صلاة أهل الرياض، واكتفائهم بدعوة وحيدة “اللهم أذل الكفار” ورفضهم استعمال المسبحة مكتفين بأصابعهم للتسبيح، كما يشير إلى وقوفه على أكثر من ثلاثين مسجدا وجامعا يتميز جميعهم بعدم وجود الزينة. 

تقدم رحلة بالجريف -على ما يشوبها من شكوك وإنكار بعض الرحالة لها وعلى رأسهم عبدالله فيلبي- وصفاً مبكراً للرياض والدولة السعودية الثانية، ولم يثبت أن بالجريف التقى الإمام فيصل بن تركي، ثاني أئمة الدولة السعودية الثانية، لكنه نقل صورة مبكرة عن المجتمع الناشئ ووثق انطباعات عن المعيشة اليومية وبعض المرويات المحلية وكتب عن الرياض أنها: مدينة واسعة نظيفة تحيط بها البساتين وفي أهلها مهابة وصدق وأن أهلها يرجعون أمجادهم إلى اليمامة القديمة. 

الاشتراك في النشرة البريدية