يعد الياباني إيجيرو ناكانو أوّل شرقي يزور مدينة الرياض ويدون مشاهداته بتفصيل وصدق، كانت رحلته عام 1358 (1939م) بدعوة رسمية من الملك عبدالعزيز للحكومة اليابانية -بعد افتتاح مسجد في طوكيو ساهمت الحكومة في إنشائه- بهدف توطيد العلاقات مع المملكة. فكان ناكانو من ضمن الوفد المختار لكونه قضى قبلها سبع سنوات في القاهرة يدرس اللغة العربية على يد طه حسين والثقافة الإسلامية في رحاب الأزهر، ودون الكثير من مشاهداته في كتاب نشره وترجم بعنوان «الرحلة اليابانية إلى الجزيرة العربية».
في بداية رحلتهم قطع ناكانو ورفاقه مسافة 800 كم من جدة إلى الرياض في رحلة شاقة استغرقت ستة أيام بالسيارة عبر طرق رملية وصخرية وعرة، وثق فيها جوانب من معاناتهم اليومية من الضياع وتعطل السيارة وغوصها في الرمال (التغريز). والمميز في رحلته ليس فقط كونها أولى الرحلات اليابانية الموثقة، بل عيناه المختلفتان اللتان التقطتا تفاصيل مغايرة للمجتمع وتقاليده وممارساته الدينية.
كتب يصف المراحل الأخيرة قبل وصوله الرياض: “من مسافة بعيدة شاهدنا قرية (مرات) تحيط بها أشجار النخيل، حتى الآن لا أزال أتذكر ذلك المنظر الرائع، منظر الواحة، رمال صفراء وشمس تسطع أشعتها بقوة، وأشجار التين القصيرة ثم الآلاف من أشجار النخيل، يا له من منظر ويا لها من روعة! شعرت كأنني وحدي وسط هذه الصحراء، وأن هذا المنظر الرائع كان يستقبلني، يرحب بي يمد إلي ذراعيه، يحتضنني أنا القادم من أقصى الشرق”.
ومن المواقف التي سجلها توقفهم للراحة في (خب) لقضاء الليل، وأثناء استعدادهم للنوم، أقبلت سيارتان مسرعتان، ما إن وصلت لخيامهم، حتى ترجل منها شخصان يرتديان ملابس أنيقة، الأول منهما في الخمسين من عمره ذو لحية بيضاء، فيما الثاني أصغر سناً وبلحية أصغر. كلاهما يجيد التحدث بالفرنسية، علموا منها، أن الأول هو خالد القرقني مستشار الملك عبدالعزيز، فيما كان الثاني سكرتيره الشخصي، وقد حضرا للسلام عليهم، لعلمهما أنهم من ضيوف الملك عبدالعزيز، وأخبراهم أنهما في طريقهم إلى جدة للسفر من هناك لحضور مؤتمر دولي في باريس.
ثم دخل ناكانو الرياض فوجدها مدينة بسيطة، قروية الطابع، مع بذور للحداثة هنا وهناك بدأت تنمو لتثمر، فكتب عن الكهرباء كمظهر من مظاهر التمدن، بينما كانت الهواتف لا تزال نادرة، وتجول في بعض الأحياء والأسواق فوجد المجتمع محافظا والنساء عموما غائبات عن المشهد العام، لدرجة أنه حرص على تدوين فرصة نادرة سنحت له لرؤية أقدام بعض النساء أثناء عبورهن إحدى السواقي (قنوات المياه) التي فاضت بسبب السيل في مشهد وجده استثنائيا يكسر المتعارف عليه.
ومن أطرف ما وثقه من عادات المجتمع ملاحظته لشغفهم بقيلولة بعد الظهيرة: “جميع الناس نيام بعد الغداء ولا يستيقظون حتى صلاة العصر، وهذا ما يسمى بالقيلولة في هذه البلاد”. كما لاحظ حبهم للطيب واللبان واستعمال المباخر الفخارية، وأن عبق الطيب يبقى عالقاً بالجسد ساعات. وعن الطعام يقول أن النجديين “أكلة لحوم عظيمون” ولم يفته الإشارة بسعادة إلى وجود أطعمة يابانية معلبة كان يتناولها مع مهندسين أميركيين في المدينة معبراً عن فخره بوصول منتجات بلاده إلى هذا المكان البعيد.
ورغم دراسته العربية الفصحى وجد صعوبة في فهم اللهجة المحلية: “لهجتهم العربية يصعب فهمها جدا، وهي قريبة من العربية الكلاسيكية، إلا أن نطقها مختلف كثيرا، وهذا ما شعرت به حين كنت أتحدث معهم”
ولعل من أكبر الفوارق بين ناكانو وغيره من الرحالة الذين سبقوه دراسته في الأزهر، فجاءت نظرته للإسلام مختلفة متزنة، ولم تكن عينه عين مستشرق متوجس مما يراه، بل عين دارس يطلب الفهم، تجلى ذلك حين رأى من معه يتوضؤون ويستعدون للصلاة فكتب واصفا تأثره ومشاعره: “كان لدي شعور وإحساس بالرغبة في أداء الصلاة”. كما أن كتابه مليء باستشهادات بالآيات القرآنية الكريمة كان يدرجها في سياق وصفه للمشاهد والأحداث. ولاحظ بعض مظاهر التدين لاسيما هدوء وطمأنينة المصلين في صلاة الجماعة، واكتفائهم بالتسبيح بأصابعهم بدلاً من استعمال المسبحة، ودعائهم “اللهم أذل الكفار” ففهم كل هذا في سياقه التاريخي دون تحيز مسبق أو ريبة متوجسة.
ومن أجمل ما وصف من معالم المدينة قصر البديعة أحد قصور الملك عبدالعزيز، حيث أعجب بإطلالته الخلابة على وادي حنيفة، وتأثر بأجواء الأمطار والسيول التي شهدتها المنطقة خلال زيارته، والتي أضفت بعداً درامياً على رحلته، وله وصف لأحد مشاهد الغروب يقول فيه: “كانت الشمس تغرب وتختفي في حضن الجبال، وتحول الأفق بأكمله إلى حمرة قانية، قانية جدا كدم غزال أصيل. لم يحدث أن رأينا مثل هذا المنظر من قبل، شعرنا بجمال الشمس والاحترام الشديد لهذه الطبيعة”.
يتميز كتابه بـتسعة وستين صورة نادرة توثق الرياض آنذاك، وتبرز الفرق بين المعيشة والأسواق والطرق وما أصبحت عليه لاحقاً، وتكشف ملاحظاته عن دقة يابانية واضحة في وصف الأشياء؛ فكان يسجل بلد صناعة الأثاث والمعدات والسلع، ويقيس بدقة عمل السواني وكمية المياه التي تستخرجها.
ناكانو لم يأت بعباءة الاستعمار أو عقدة تفوق بل جاء مهتماً بالثقافة العربية معجباً بالتاريخ الإسلامي الذي أمضى سنوات في دراسته، خلت كتاباته من الأحكام المسبقة، وبذل محاولات في فهم جوهر المجتمع البدوي: “العاطفة القوية هي أساس حياتهم البدوية، ففي هذا الشعر يمكنهم أن يعبروا عن أحاسيسهم بتعبيرات متنوعة ومتفرقة”. وكان همه التوثيق الدقيق والمشاهدة المتأملة، فالتقط لنا لوحة لمدينة الرياض وهي على أعتاب مرحلة جديدة تجاوز فيها الطابع القروي إلى زرع أول بذور الحداثة والتمدن، ثم كان ناكانو من الأجانب القلائل الذين قابلوا الملك عبدالعزيز والملك سعود شخصياً.
الصورة: إيجيرو ناكانو ممسكاً بضب في طريقة للرياض 1939م


